حصاد الدمار.. كيف دمرت جماعة الحوثي النسيج الاجتماعي والسياسي لليمن؟
يواجه اليمن تحديًا وجوديًا لم يسبق له مثيل في تاريخه المعاصر، حيث تجاوزت آثار الانقلاب الحوثي حدود المواجهات العسكرية الميدانية لتضرب في عمق النسيج الاجتماعي والسياسي الذي تشكل عبر عقود من الزمن.
إن جماعة الحوثي، ومنذ سيطرتها على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، انتهجت استراتيجية ممنهجة لتفكيك ركائز الدولة الوطنية واستبدالها بهياكل ميليشياوية تدين بالولاء المطلق للمشروع الطائفي المرتبط بأجندات إقليمية.
هذا التحول لم يؤدِ فقط إلى انهيار المؤسسات، بل تسبب في شرخ اجتماعي غائر ومزق الروابط القبلية والمدنية التي كانت تمثل صمام أمان لليمنيين.
ومع دخول العام الحادي عشر للصراع، يبدو "حصاد الدمار" الذي خلفته الجماعة أثقل من أن تحتمله الجغرافيا اليمنية، حيث تحولت البلاد من نموذج للتعايش والتعددية السياسية إلى ساحة للقمع الفكري والمذهبي والفقر المدقع.
تفتيت النسيج الاجتماعي وصناعة الكراهية الطائفية
تمثل أكبر "جرائم الحوثيين" في قدرتها على ضرب السلم الأهلي عبر إقحام المفردات الطائفية والمذهبية في مجتمع كان يتسم بالانسجام بين المذاهب الإسلامية المختلفة.
لقد عملت الجماعة على تغيير المناهج الدراسية وفرض "الدورات الثقافية" الإجبارية التي تروج لفكر إقصائي يمجد "الحق الإلهي" في الحكم، مما خلق جفوة عميقة بين أبناء المجتمع الواحد، بل وداخل الأسرة الواحدة في بعض الأحيان.
هذا الشحن الطائفي أدى إلى بروز ظواهر اجتماعية دخيلة، مثل التمييز على أساس السلالة وتهميش الكفاءات الوطنية لصالح "المشرفين" المنتمين للسلالة الحوثية.
إن تدمير النسيج الاجتماعي لم يتوقف عند الفكر، بل امتد لتمزيق الأعراف القبلية عبر شراء ذمم بعض الوجاهات أو تصفية المعارضين منهم، مما أفقد القبيلة اليمنية دورها التقليدي كوسيط للسلام وحولها إلى خزان بشري لتمويل جبهات القتال بالوقود البشري من الأطفال والشباب المغرر بهم.
اغتيال الحياة السياسية وقمع التعددية الحزبية
على الصعيد السياسي، مارست جماعة الحوثي عملية "تطهير شاملة" للمناخ الديمقراطي الذي كان يتمتع به اليمن منذ تحقيق الوحدة في عام 1990.
فبعد السيطرة على العاصمة، شنت الجماعة حملة اعتقالات وتصفيات استهدفت قيادات الأحزاب السياسية، وعلى رأسها حزب المؤتمر الشعبي العام وحزب الإصلاح، بالإضافة إلى الناشطين المستقلين والصحفيين.
لقد تم تحويل مقرات الأحزاب إلى ثكنات عسكرية وسجون سرية، وفُرضت قيود صارمة على حرية التعبير والتجمع، مما أدى إلى موت "العملية السياسية" في مناطق سيطرتهم. هذا القمع الممنهج لم يترك لليمنيين أي مساحة للحوار الوطني أو المعارضة السلمية، حيث أصبح الولاء للصرخة الحوثية هو المعيار الوحيد للبقاء بعيدًا عن زنازين التعذيب.
إن تدمير الحياة السياسية يعني تجريف الكوادر التي كان يمكن أن تساهم في بناء اليمن الجديد، مما يترك البلاد أمام فراغ قيادي خطير لا يملأه سوى منطق القوة والمليشيا.
تدمير مؤسسات الدولة وخصخصة الموارد العامة
لم يكتفِ الحوثيون بتدمير الجوانب المعنوية لليمن، بل عمدوا إلى تفكيك مؤسسات الدولة الاقتصادية والإدارية وتحويلها إلى "إقطاعيات خاصة" لتمويل مجهودهم الحربي. لقد تم تدمير البنك المركزي في صنعاء ونهب الاحتياطيات النقدية، وفرض جبايات مالية قاسية على التجار والمواطنين تحت مسميات "الخمس" و"دعم المجهود الحربي"، مما أدى إلى انهيار القطاع الخاص وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية.
السياسة المالية للحوثيين تسببت في قطع رواتب الموظفين الحكوميين لسنوات، بينما تتدفق الأموال إلى جيوب قيادات الجماعة لبناء إمبراطوريات تجارية وعقارية.
هذا التدمير المؤسسي طال قطاعات التعليم والصحة والكهرباء، حيث أصبحت الخدمات تُقدم كامتيازات للموالين فقط، بينما يعيش سواد الشعب تحت خط الفقر المدقع، مما يؤكد أن الجماعة لا تمتلك مشروعًا لإدارة الدولة، بل مشروعًا لاستنزافها حتى الرمق الأخير.
مستقبل اليمن في ظل "قنابل المناهج" الموقوتة
إن الجريمة الأكثر خطورة التي ارتكبها الحوثيون بحق مستقبل اليمن هي استهداف عقول الجيل القادم عبر تغيير الهوية الوطنية في المناهج الدراسية واستغلال المراكز الصيفية لتجنيد الأطفال.
إن زرع قيم العنف والولاء للفرد بدلًا من الوطن في نفوس الصغار يخلق "قنابل موقوتة" ستهدد أمن اليمن والمنطقة لعقود قادمة. هؤلاء الأطفال الذين حُرموا من التعليم الحديث وزُج بهم في جبهات القتال، سيمثلون عبئًا ثقيلًا على أي مشروع لإعادة الإعمار أو المصالحة الوطنية مستقبلًا.
إن تدمير العقل اليمني هو الهدف الأسمى للمشروع الحوثي، لأن الجهل والتبعية هما البيئة الخصبة لاستمرار حكم المليشيا، لذا، فإن مواجهة هذا الدمار تتطلب جهودًا جبارة لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد لتشمل معركة فكرية وثقافية لاستعادة الهوية اليمنية المعتدلة والمتسامحة التي صهرها الحوثيون في قوالبهم الطائفية الضيقة.
ضرورة استعادة السيادة والكرامة الوطنية
إن "حصاد الدمار" الذي زرعته جماعة الحوثي في اليمن يتطلب وقفة جادة من المجتمع الدولي والقوى الوطنية اليمنية على حد سواء. إن استعادة النسيج الاجتماعي والسياسي لليمن لن تتم عبر تسويات هشة تمنح الشرعية للمليشيا، بل عبر مشروع وطني شامل يستعيد هيبة الدولة وسيادة القانون ويضمن العدالة والمواطنة المتساوية لجميع اليمنيين.
إن جرائم الحوثيين بحق الإنسان والتاريخ والهوية لا تسقط بالتقادم، والمحاسبة هي الطريق الوحيد لضمان عدم تكرار هذه المأساة.
اليمن اليوم يقف في مفترق طرق؛ فإما الاستمرار في دوامة التفتيت والضياع تحت حكم المليشيا، أو النهوض من تحت الركام لاستعادة وجه اليمن الحضاري والسياسي الذي حاول الحوثيون طمسه بكل الوسائل. إن المسؤولية تقع على عاتق كل يمني حر في مقاومة هذا التدمير الممنهج، لضمان مستقبل آمن للأجيال القادمة بعيدًا عن ولاية الفرد وشعار الموت.