سجون الحوثيين السرية.. خريطة الرعب والانتهاكات الجسيمة ضد الإنسانية

تقارير وحوارات

عناصر حوثية _ تعبيرية
عناصر حوثية _ تعبيرية

تتصاعد يومًا بعد يوم التقارير الحقوقية التي تكشف النقاب عن واحدة من أبشع الأزمات الإنسانية في العصر الحديث، حيث تحولت السجون والمعتقلات التي تديرها ميليشيا الحوثي في المناطق الخاضعة لسيطرتها إلى ساحات لجرائم حرب ممنهجة. 

إن ما يحدث خلف الأسوار العالية وفي الأقبية المظلمة في صنعاء وصعدة والحديدة يتجاوز كل وصف، حيث يتم ممارسة أبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي ضد آلاف المعتقلين الذين تم زجهم في السجون دون محاكمات عادلة أو تهم واضحة. 

وتشير الشهادات المسربة من ناجين إلى أن الميليشيا تستخدم التعذيب ليس فقط كوسيلة لانتزاع الاعترافات القسرية، بل كأداة لكسر الإرادة السياسية والاجتماعية لكل من يعارض فكرها أو ينتقد ممارساتها، مما جعل من هذه السجون "ثقوبًا سوداء" تبتلع حياة اليمنيين بعيدًا عن رقابة المجتمع الدولي أو المنظمات الحقوقية الرسمية.

أساليب التعذيب الوحشية

تتنوع أساليب التعذيب التي تنتهجها الميليشيا الحوثية لتشمل طرقًا بدائية ووحشية تهدف إلى إلحاق أقصى درجات الألم والعجز الدائم بالضحايا. وتتحدث التقارير عن استخدام الصعق بالكهرباء، والتعليق من الأطراف لساعات طويلة فيما يُعرف بوضعية "الشبح"، والضرب المبرح بآلات حادة وقضبان حديدية، بالإضافة إلى كي الأجساد بالنار وصب المواد الحارقة على الجلود. 

ولا يتوقف الأمر عند التعذيب الجسدي، بل يمتد إلى ممارسات نفسية مدمرة تشمل الحرمان من النوم لأيام متواصلة، والحبس الانفرادي في زنازين ضيقة جدًا ومظلمة تفتقر لأدنى مقومات الحياة البشرية من تهوية أو إضاءة أو مرافق صحية. 

هذه الممارسات أدت في حالات كثيرة موثقة إلى وفاة المعتقلين تحت وطأة الألم، أو خروجهم بإعاقات دائمة وفقدان للذاكرة واضطرابات نفسية حادة تستمر معهم مدى الحياة.

استهداف النساء والأطفال

لم تسلم الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع اليمني من آلة القمع الحوثية، حيث رصدت منظمات حقوقية دولية ومحلية تزايدًا مخيفًا في اعتقال النساء والناشطات وتوجيه تهم كيدية لهن بهدف ابتزاز أهاليهن وتشويه سمعتهن الاجتماعية. 

وتتعرض المعتقلات في سجون خاصة للضرب والإهانة اللفظية والتهديد بالاعتداء، في انتهاك صارخ للأعراف والتقاليد اليمنية والقوانين الدولية التي تحمي المرأة أثناء النزاعات. 

كما لم ينجُ الأطفال من هذه المحرقة، حيث يتم اختطاف القصر وزجهم في مراكز احتجاز وتدريب، وتعريضهم لعمليات غسيل دماغ وتلقين طائفي، ومن يرفض الانصياع يتم إخضاعه لعمليات تعذيب تهدف إلى تطويعهم وجعلهم وقودًا للجبهات، مما يمثل جريمة مزدوجة تشمل الاختطاف، والتعذيب، والتجنيد القسري للأطفال.

السجون السرية واللا قانون

تعتمد ميليشيا الحوثي في إخفاء جرائمها على شبكة واسعة من السجون السرية التي تم إنشاؤها في أقبية المباني الحكومية، والمنازل المصادرة، وحتى في المدارس والمساجد التي تم تحويلها إلى معتقلات.

 هذه السجون تقع خارج نطاق القضاء أو الرقابة، حيث لا يُسمح للمحامين أو أهالي المعتقلين بزيارة ذويهم أو معرفة أماكن احتجازهم، وهو ما يندرج قانونًا تحت مسمى "الاختفاء القسري".

 إن غياب المنظومة القانونية وتواطؤ بعض القضاة المعينين من قبل الميليشيا جعل من أمر الاعتقال والتعذيب وسيلة سهلة للتخلص من الخصوم السياسيين، والصحفيين، والأكاديميين، بل وحتى التجار الذين يرفضون دفع الجبايات، مما حول غزة اليمن إلى سجن كبير يفتقر لأي نوع من أنواع الحماية القانونية للمواطن البسيط.

الصمت الدولي والتواطؤ

رغم صدور عشرات البيانات والتقارير من مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ومنظمات مثل "هيومن رايتس ووتش" و"العفو الدولية"، إلا أن التحرك الفعلي على الأرض لا يزال دون المستوى المطلوب لوقف هذه الانتهاكات. 

إن الصمت الدولي المريب تجاه فظائع التعذيب في سجون الحوثيين يمنح الميليشيا ضوءًا أخضر للاستمرار في جرائمها دون خوف من العقاب وإن المجتمع الدولي مطالب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتفعيل أدوات المحاسبة الدولية وفرض عقوبات صارمة على القيادات الحوثية المسؤولة عن إدارة هذه السجون، وضمان إحالة مرتكبي جرائم التعذيب إلى محكمة الجنايات الدولية، فالحقوق لا تسقط بالتقادم، وآلام الضحايا تستصرخ ضمير العالم لوضع حد لهذه المسالخ البشرية التي تلتهم مستقبل اليمنيين.

نداء العدالة والحرية

 إن ملف التعذيب في سجون الحوثيين ليس مجرد ملف سياسي أو ورقة للتفاوض، بل هو قضية إنسانية وأخلاقية من الدرجة الأولى وإن كل لحظة تأخير في الضغط على الميليشيا لفتح سجونها أمام اللجان الدولية تعني مزيدًا من الضحايا ومزيدًا من الأجساد المحطمة. 

إن استعادة الدولة في اليمن تبدأ من استعادة كرامة الإنسان اليمني وحمايته من البطش والتعذيب، وعلى كافة القوى الوطنية والدولية جعل ملف الأسرى والمعتقلين والمخفيين قسريًا على رأس أي تسوية سياسية قادمة، فلا سلام يمكن أن يتحقق بينما لا تزال آلاف الأصوات تئن تحت وطأة السلاسل والجلادين في غياهب سجون لا تعرف الرحمة.