أحمديات
أحمد زكي يكتب: حين تتهاوى كل المظاهر يبقى الله حصنك
مازالت الكلمة حائرة بين مفهوم لم يقصد ومقصود لم يفهم فاجعل كلمتك بسيطة حتى يفهم مقصدها
في هذه الأيام كثير من الناس يشعرون بالقلق من كل خبر جديد يطلع على الساحة فقد شهد العالم كوارث طبيعية رهيبة مثل حرائق الغابات في أستراليا والولايات المتحدة وفيضانات كبيرة في باكستان وأوروبا وأعاصير شديدة في الكاريبي، كما تعاني الاقتصادات العالمية من انهيارات في أسواق الأسهم وارتفاع التضخم وانخفاض قيمة العملات المحلية وتزداد التوترات السياسية والعسكرية مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتفاقم النزاعات في الشرق الأوسط حيث ليبيا ما زالت تشهد صراعًا طويلًا على النفوذ بين جماعات مسلحة وفصائل متعددة منذ سقوط النظام عام 2011 والسودان يشهد حربًا أهلية بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023 مما أدى إلى أزمة إنسانية ضخمة ونزوح ملايين بينما اليمن مستمرة الحرب بين الحكومة المعترف بها دوليًا وجماعة الحوثي منذ 2014 مخلفة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم ولبنان يعاني من توترات مستمرة بسبب الصراع مع الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، إضافة إلى الدور المتنامي لحزب الله والصومال ما تزال تعاني صراعًا داخليًا طويل الأمد بين جهات قبلية وفصائل متناحرة وتهديد حركة الشباب مما يضاعف عدم الاستقرار السياسي والأمني وفي فلسطين وغزة ما يحدث هو واحد من أكثر المشاهد الإنسانية قسوة في عصرنا الحالي حيث يعيش الناس تحت القصف اليومي والقتل الأبرياء أصبح مشهدًا مأساويًا متكررًا وتدمير المنازل والمستشفيات والبنى التحتية يضاعف المعاناة بينما الأطفال والنساء والشيوخ هم الأكثر تضررًا والمجتمعات.
هناك تواجه حصارًا اقتصاديًا خانقًا ونقصًا شديدًا في الغذاء والدواء والماء الصالح للشرب ومع كل هذا الصمود يظل الشعب الفلسطيني متمسكًا بحياته وحقوقه ويرى العالم كله صمتًا دوليًا مريبًا أمام هذه الجرائم ما يضيف شعورًا عميقًا بالخذلان والظلم ويجعل الأحداث في فلسطين رمزًا واضحًا لضرورة الثبات على الحق والإيمان بأن الظلم مهما طال لن يستمر وأن الصبر والصمود هما السبيل للحفاظ على الإنسانية وسط الفوضى وإيران تواجه توترات إقليمية متزايدة بسبب الصراعات على النفوذ في الشرق الأوسط وهناك اهتمام عالمي بتحركاتها العسكرية وقدراتها الاستراتيجية ورغبة الولايات المتحدة وإسرائيل في تقييد نفوذها وضرب بعض قدراتها العسكرية تجعل المنطقة في حالة قلق دائم ما يضاعف حالة عدم الاستقرار ويجعل إيران جزءًا من الصراع الأوسع على الموارد والنفوذ بين القوى الكبرى في العالم وفي شمال شرق إفريقيا تواجه مصر والسودان مناوَشات إثيوبيا حول نهر النيل الذي يعد شريان الحياة لدول المصب ولا يمكن التنازل عن نقطة مياه واحدة منه مما يجعل أي تصرف عدائي في هذا الملف يهدد الأمن القومي والمستقبل المائي ويزيد من تعقيد الوضع الإقليمي وكل هذه الأحداث تجعل القلوب تهتز والخوف يسيطر على البعض.
لكن الواقع يقول إن الدنيا لم تكن يومًا هادئة فقد شهد التاريخ حروبًا وأزمات اقتصادية وانهيارات مالية وأوبئة ومع ذلك الحياة استمرت والنبي ﷺ أخبرنا عن كثرة الفتن والقتل في آخر الزمان وانحسار الفرات عن جبل الذهب وهذا حق نؤمن به لكن العلماء أكدوا أنه لا يجوز ربط كل حدث يحصل حاليًا مباشرة بهذه الأحاديث دون دليل واضح فالذي يجب علينا هو الثبات في الإيمان والعمل الصالح فالإيمان الحقيقي لا يقوم على الأخبار أو الذهب أو حركة الجيوش بل على قلب مطمئن بالله وعلى شخص مؤمن يعرف أن الله هو الحصن الحقيقي وما يكتبه الله لنا هو ما سيصيبنا وما لم يكتبه لن يصل إلينا مهما حدث حولنا والخوف الطبيعي لا يجب أن يقودنا إلى المبالغة فالمطلوب أن نثبت وقت الفتن ونتوكل على الله ونحافظ على عملنا الصالح وصلاتنا وأخلاقنا لأن كل الأحداث ستمر ولكن المؤمن الذي يثبت على الله قلبه لن يهتز ولن يضيع والذهب سينقلب والأسواق ستتغير والسياسات ستتقلب لكن الذي يثبت على الإيمان بالله وحده سيظل قلبه آمنًا مطمئنًا ومن يربط حياته بالله يجد الطمأنينة وسط كل اضطراب وكل ما يحدث من كوارث أو أزمات أو صراعات سياسية ليس إلا اختبارًا للصبر والثبات ومهما تعاظمت الفتن لن تنال من قلب المؤمن المتوكل على الله فالحقائق الروحانية الثابتة لا تتغير والله هو الحصن الذي لا ينهار وفي هذا تكمن الطمأنينة والسكينة فكن ثابتًا يا أخي وخذ الإيمان حصنًا لك بين كل الفتن والاضطرابات فالذي يتمسك بالله قلبه لا يهتز مهما اهتزت الدنيا من حوله والثبات على الله هو النجاة الحقيقية والملاذ الأبدي لكل مؤمن وفي هذا الشهر الكريم شهر رمضان تتجدد فرصتنا للتقرب إلى الله بالعبادة والصيام والذكر ونعمة الصبر والتأمل في نعم الله فلنجعل قلوبنا صافية ونيتنا خالصة ونستغل أيامه المباركة لتثبيت إيماننا والتمسك بالله وسط كل ما يحيط بنا من اضطرابات وتقلبات ليكون رمضان هذا العام مرآة لثباتنا ونور يقودنا إلى السلام الداخلي والطمأنينة الروحية وقوله تعالى ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ سورة التوبة 51.