أكاديمي يمني يكشف لـ "الفجر" جذور الأزمة اليمنية المستعصية منذ عقود
لا تمثل الأزمة اليمنية مجرد نزاع حدودي أو صراع عابر على السلطة، بل هي واحدة من أكثر الملفات الجيوسياسية تعقيدًا في التاريخ الحديث، ومع تصاعد حدة الصراع ودخول فاعلين إقليميين وأيديولوجيات عابرة للحدود، تحول اليمن إلى ساحة لاختبار صمود الهويات الوطنية أمام المشاريع التوسعية.
وفي ظل المنعطفات التاريخية الكبرى التي تمر بها منطقة جنوب شبه الجزيرة العربية، تبرز قضية شعب الجنوب العربي كأحد أكثر الملفات تعقيدًا وجوهرية في المشهد السياسي الإقليمي والدولي.
وفي تصريحات خاصة ومعمقة لـ "الفجر"، وضع الدكتور صالح طاهر سعيد، أستاذ الفلسفة السياسية المساعد بكلية الآداب في جامعة عدن، النقاط على الحروف فيما يخص الصراع المحتدم بين "ثوابت الحق" التي يمتلكها شعب الجنوب و"متغيرات السياسة" التي تحاول القوى المختلفة فرضها.
وينطلق الدكتور صالح في رؤيته من مبدأ أن الشعوب لا توجد خارج إطار الزمان والمكان، بل هي نتاج انصهار الجغرافيا بسكانها الأصليين، وهو ما يمنح شعب الجنوب العربي حقوقًا طبيعية وسياسية سنتها القوانين الإلهية وأقرتها المواثيق الدولية، ولا يمكن لأي تسوية سياسية أن تنجح ما لم تنطلق من هذه الثوابت الراسخة التي تشكل جوهر الوجود والبقاء لهذا الشعب الأصيل.
الثوابت الثلاثة
يرى الدكتور صالح طاهر سعيد أن حقوق شعب الجنوب العربي تتلخص في ثلاثة مرتكزات شرعية غير قابلة للتفاوض أو الانتقاص؛ أولها الهوية الوطنية المستقلة التي تميز شعب الجنوب عن غيره، وثانيها المنطقة الجغرافية بحدودها الدولية المعترف بها قبل عام 1990، والتي تمثل سيادة مطلقة لا ينازعه فيها شعب آخر، وثالثها الحق الأصيل في تقرير المصير لاختيار شكل الدولة ونظامها السياسي ورسم مسارات علاقاتها الدولية.
ويؤكد الدكتور أن هذه الحقوق هي التي منحت الشرعية لقيام الدولة الوطنية المستقلة في نوفمبر 1967، والتي اعترفت بها الأمم المتحدة وكافة مؤسسات النظم الدولي، مما جعلها حلقة راسخة في البنية الإنسانية العالمية.
ومن هنا، يوضح الدكتور أن "السياسة" ما هي إلا حلقة تابعة لهذه الحقوق، تستمد مشروعيتها من مدى تجسيدها لإرادة الشعب والحفاظ على سيادته، فإذا ما انحرفت السياسة عن مدارات الحق الوطني، فقدت مشروعيتها وتحولت إلى مسار باطل يستوجب من الشعب التحرك لتصحيحه وإعادته إلى جادة الصواب.
وفي نقد سياسي لاذع، يوضح الدكتور صالح طاهر أن القيادات السياسية المتعاقبة في الجنوب سقطت في أزمنة سابقة في أفخاخ الأيديولوجيات العابرة للحدود، سواء كانت قومية اشتراكية أو تابعة للإسلام السياسي، مما أدى إلى إسقاط الحقوق الثابتة للشعب ورفع شعارات مخادعة تحت مسمى "الوحدة اليمنية".
ويشير إلى أن هذه الشعارات، التي زعمت أن الوحدة هي خطوة نحو الوحدة العربية أو الإسلامية أو التوسع الاشتراكي، لم تكن سوى أدوات لإلغاء الدولتين وإدخال المنطقة بأكملها، بما في ذلك جنوب البحر الأحمر، في دوامة من الحروب المتواصلة وانعدام التوازن وعدم الاستقرار التي استمرت لنحو نصف قرن.
وقد تجلت أكاذيب هذا الخداع الأيديولوجي بشكل صارخ في الغزو العسكري الشمالي للجنوب عام 1994، والذي أدى إلى احتلال الأرض وحذف شعب الجنوب إلى هامش التاريخ، مما استدعى ضرورة استعادة زمام المبادرة الشعبية لاستعادة الدولة بوصفها حق وجود لا غنى عنه.
خارطة الطريق واستعادة الوعي الوطني
لم يكن حراك شعب الجنوب العربي مجرد فعل عشوائي، بل رسم خارطة طريق دقيقة ركزت في مرحلتها الأولى على هدم "الوعي الأيديولوجي الزائف" وإعادة تشكيل وعي الشعب بذاته الوطنية وبثوابت حقه في السيادة.
ويؤكد الدكتور صالح طاهر أن مبدأ "التسامح والتصالح" كان الركيزة الأساسية لدفن صراعات الماضي واستعادة الوحدة الوطنية بين أبناء الجنوب، مما مكنهم من الانطلاق في حراك شعبي سلمي موحد تطور لاحقًا إلى مقاومة مسلحة لمواجهة الغزو الثاني (الحوثي-العفاشي) المدعوم من إيران وقوى الإرهاب.
وبدعم من دول التحالف العربي، نجح شعب الجنوب في تحرير معظم أراضيه، وبناء القوات المسلحة الجنوبية.