صرخة من قلب العطش.. كيف تحولت حياة ملايين اليمنيين إلى جحيم مناخي؟

تقارير وحوارات

الجفاف في اليمن
الجفاف في اليمن

يواجه اليمن في عام 2025 أزمة بيئية غير مسبوقة، حيث تضافرت التغيرات المناخية القاسية مع هشاشة الوضع الداخلي لتخلق واقعًا كارثيًا.

حيث أنه لم تعد التغيرات المناخية مجرد تحذيرات دولية، بل تحولت إلى "جحيم يومي" يعيشه المزارع اليمني، حيث تسببت الظروف الجوية المتطرفة في ندرة حادة للمياه، وتدهور مريع للأراضي الزراعية، مما دفع بملايين السكان نحو حافة انعدام الأمن الغذائي والنزوح القسري.

غياب الأمطار وتفاقم ندرة المياه

في يناير وفبراير، خيم الجفاف على عموم البلاد، حيث سجلت المناطق الساحلية انعدامًا تامًا للأمطار (0.01 ملم)، بينما لم تتجاوز الأمطار في المرتفعات الجبلية 7.5 ملم في فبراير. 

ومع دخول شهر مارس، استمر العجز المائي حيث تلقت معظم المناطق أقل من 5 ملم، وسجلت منطقة حريب بمحافظة مأرب أدنى مستوياتها بواقع 0.6 ملم، مما أدى إلى جفاف التربة تمامًا في المناطق الصحراوية.

تذبذب الأمطار وعجز المرتفعات

ورغم الزيادة الطفيفة في أبريل في بعض المرتفعات (حتى 66 ملم)، إلا أن الاتجاه العام ظل يشير إلى "ظروف شبيهة بالجفاف" في المرتفعات الوسطى والجنوبية. وفي مايو ويونيو، استمر العجز في الأمطار بنسبة تتراوح بين 10% و20%، خاصة في محافظة إب والمحويت، مما أدى إلى إجهاد شديد للمحاصيل الموسمية.

موجات حر قياسية

لم يكن الجفاف وحده هو العدو، بل رافقه ارتفاع جنوني في درجات الحرارة خلال صيف 2025 حيثشهدت محافظة حضرموت والمهرة وجزء من مأرب حرارة شديدة، حيث تراوحت العظمى بين 44 و47 درجة مئوية في أواخر يونيو والمناطق الساحلية بلغت الحرارة ما بين 35 و40 درجة، لكن مع رطوبة عالية زادت من معاناة السكان وضاعفت معدلات التبخر.

وأدت هذه الحرارة غير الطبيعية إلى تقليل رطوبة التربة إلى مستويات حرجة، مما تسبب في ذبول المحاصيل حتى في المناطق التي كانت تُعرف تاريخيًا ببرودتها واعتدال مناخها.

لعنة "الجفاف ثم الفيضان"

يعاني اليمن من نمط خطير يتمثل في "الظواهر المتطرفة المتتالية"، فبعد أشهر من الجفاف الطويل الذي يجعل الأرض صلبة وغير قادرة على الامتصاص، تأتي أمطار غزيرة وقصيرة المدة (كما حدث في أغسطس 2025).

هذه الأمطار لا تغذي المياه الجوفية، بل تتحول إلى جريان سطحي سريع وفيضانات مفاجئة مدمرة، تقتلع المحاصيل وتجرف التربة السطحية الخصبة. هذه الدورة تجعل المجتمعات الزراعية في حالة "رد فعل" مستمرة، حيث يفقد المزارع محصوله بسبب الجفاف أولًا، ثم يفقد أرضه بسبب الفيضان ثانيًا، مما يمنعه من التعافي.

انهيار القطاع الزراعي وتفاقم الجوع

أدت الظروف الجافة المستمرة وإجهاد المراعي إلى نتائج كارثية على الأمن الغذائي منها تأخر المواسم الزراعية حيث اضطر آلاف المزارعين لتأجيل البذر أو التخلي عن الزراعة تمامًا وانخفاض الغلال وتراجعت إنتاجية المحاصيل الرئيسية (الحبوب والبن والخضروات) بنسبة كبيرة وتدهور الثروة الحيوانية وأدى جفاف المراعي إلى نفوق أعداد كبيرة من الماشية، وهي المصدر الوحيد للدخل لملايين الأسر الريفية واستنزاف المياه الجوفية وأجبر الجفاف السكان على الحفر العشوائي والاعتماد الكلي على المياه الجوفية المتناقصة أصلًا.

التداعيات الاقتصادية: الريال اليمني وأزمة المناخ

لا يمكن فصل المناخ عن الاقتصاد؛ ففي عام 2025 شهد الريال اليمني تذبذبات حادة. الانهيار الزراعي زاد من الاعتماد على الاستيراد، مما شكل ضغطًا إضافيًا على العملة الصعبة. ورغم محاولات التعافي المفاجئة في بعض فترات السنة، إلا أن ضعف الإنتاج المحلي بسبب المناخ ظل يمثل "ثقبًا أسود" يستنزف الاقتصاد اليمني.

اليمن يصرخ تحت وطأة المناخ

إن عام 2025 هو جرس إنذار أخير؛ فاليمن يعيش مأساة مركبة تجمع بين تداعيات الحرب وقسوة الطبيعة. إن استمرار تجاهل أزمة المناخ يعني تحول اليمن إلى أرض غير قابلة للعيش، مما سيفجر أزمات نزوح وهجرة غير مسبوقة،  كما أن كلمة الفصل تكمن في تكاتف الجهود الدولية لدعم اليمن في مواجهة "الجفاف ثم الفيضان"، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرض السعيدة التي باتت تستغيث من العطش والحرارة.