أحمد ياسر يكتب: إعصار ترامب والعالم بـ 3 ألوان

مقالات الرأي

أحمد ياسر
أحمد ياسر

في الفترة التي سبقت "يوم التحرير" في الثاني من أبريل 2025، أشارت تقارير عديدة إلى أن إدارة ترامب كانت لا تزال منشغلة في نقاشات داخلية حول كيفية فرض رسوم جمركية متبادلة على شركاء الولايات المتحدة التجاريين حتى يوم إعلانها. 

يثير هذا التردد الواضح شكوكًا حول ما إذا كان ترامب قد راعى تمامًا التحدي المعقد المتمثل في إعادة هيكلة نظام التجارة العالمي الذي يُزعزع استقراره الآن.. ومع ذلك، بما أن بعض مستشاريه قد ألمحوا إلى أن الرسوم الجمركية ليست سوى خطوة أولى في استراتيجية أوسع لمعالجة العجز التجاري الأمريكي المستمر، فمن الجدير دراسة ما قد يأتي لاحقًا.

مع هيمنة السياسة التجارية على المناقشات، من السهل إغفال السياق الأوسع لاختلالات التجارة الأمريكية، والأهم من ذلك، أن العجز التجاري الأمريكي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقوة الدولار، الذي لا يزال مرتفعًا نظرًا للطلب العالمي عليه كأصل احتياطي "آمن" ووسيط للمعاملات الدولية. 

هذا الطلب المستمر على الدولار، الذي تعززه مكانته كعملة احتياطية عالمية، يُؤدي أيضًا إلى طلب غير مرن على سندات الخزانة الأمريكية، نتيجةً لذلك، ارتفع سعر الدولار مقابل العملات الأخرى ليصل إلى أعلى مستوى له مُعدّلًا حسب التضخم منذ 40 عامًا.

 السياسة التجارية وحدها لا تستطيع تحقيق أهداف ترامب في تعزيز التصنيع الأمريكي، أو زيادة تنافسية الصادرات، أو إعادة بناء القاعدة الصناعية المحلية دون استراتيجية موازية لمعالجة المبالغة في قيمة الدولار.

يعتقد ترامب أن الرسوم الجمركية تُوفّر نفوذًا في المفاوضات.. والآن، وبعد فرض الرسوم الجمركية، من المنطقي توقع وجود بعض الضغوط لاستخدام هذا النفوذ ليس فقط لخفض الرسوم الجمركية بين شركاء الولايات المتحدة التجاريين، بل أيضًا لإضعاف الدولار.

أحد المقترحات المثيرة للاهتمام هو تقديم تخفيضات في الرسوم الجمركية للدول التي تُذعن لمطلب ترامب بـ "المعاملة بالمثل"، والسماح بوصول تفضيلي للدولار للدول التي تُبرم "اتفاقية مار-أ-لاغو"  بشأن أسعار الصرف، والتي ُتتبلور باختصار، في أن الولايات المتحدة توفر للعالم الأمن، وفي المقابل، يساعد بقية العالم في دفع الدولار إلى الانخفاض من أجل نمو قطاع التصنيع في الولايات المتحدة.

بدأت هذه الفكرة تكتسب زخمًا بعد أن تولى الخبير الاقتصادي ستيفن ميران رئاسة مجلس المستشارين الاقتصاديين لترامب في أوائل مارس، ومباشرة بعد انتخاب ترامب، نشر "ميران" ورقة بحثية بعنوان "دليل المستخدم لإعادة هيكلة النظام التجاري العالمي"، حددت سلسلة من الخطوات لإعادة تقييم الدولار، مع الحفاظ على مكانته كعملة احتياطية، وعدم رفع تكاليف الاقتراض الأمريكية.

ورغم انتقاد أفكار "ميران" لعدم جدواها أو تناقضاتها، إلا أنها تتمتع بمنطق داخلي معين، والأهم من ذلك، أنها قد تتمتع أيضًا بميزة أساسية لأي مقترح سياسي اليوم وهي: القدرة على استلهام آراء ترامب الاقتصادية غير التقليدية.

 

وفقًا لتسلسل "ميران"، تتمثل الخطوة التالية بعد الرسوم الجمركية في توضيح الصلة بين التجارة الأمريكية والسياسة الأمنية، وقد يوفر هذا مبررًا إضافيًا يتجاوز الإيرادات أو مبدأ المعاملة بالمثل؛ لتفسير رسوم ترامب الجمركية على الحلفاء، حيث ترى استراتيجية "ميران" أن الالتزامات الدفاعية الأمريكية، والوصول إلى الأسواق، وتوفير الدولار لمعاملات الأطراف الثالثة، ينبغي اعتبارها فوائد متشابكة. 

لذلك، ينبغي تحفيز الحلفاء والشركاء الراغبين في مواصلة الاستفادة من هذه المزايا لمساعدة الولايات المتحدة على توفيرها بشكل مستدام.

بشكل أساسي، ستوفر الولايات المتحدة الأمن، وفي المقابل، سيساعد الحلفاء على استعادة التصنيع الأمريكي من خلال الاستثمار في الولايات المتحدة أو رفع قيمة عملاتهم مقابل الدولار.

 وكما اقترح وزير الخزانة "سكوت بيسنت"، يمكن للولايات المتحدة أن تعتمد نظام "إشارات مرور" يُقسّم العالم إلى ثلاث فئات: دول "خضراء" ذات قيم مشتركة، وأهداف اقتصادية وأمنية متناسقة، واستعداد للتعاون بشأن أسعار الصرف؛ ودول "صفراء" أو محايدة ترغب في الإبقاء على رسوم جمركية مرتفعة والبقاء خارج نظام الدفاع الأمريكي؛ ودول "حمراء"، أي الدول المعادية أو الخاضعة للعقوبات التي ترفض التعاون.

 وبشكل أكثر تحديدًا، يعني هذا أن الدول التي تخفض رسومها الجمركية على السلع الأمريكية (أو تختار عدم الرد على الرسوم الجمركية الأمريكية "المقابلة")، أو تخفض دعمها، أو تقدم ضمانات اقتصادية للولايات المتحدة مثل حقوق المعادن الأساسية، ستتمتع بوصول تفضيلي إلى السوق الأمريكية ومظلة الدفاع. 

وبعبارة أخرى، يشير "ميران" إلى أنه ستكون هناك حواجز اقتصادية أمام دخول الضمانات الأمنية الأمريكية المستمرة، ولكن هذه الحواجز ستصبح أكثر مصداقية بسبب الروابط الاقتصادية.

ومن الواضح الآن أن إدارة ترامب تستخدم الرسوم الجمركية كأداة ضغط، ويبقى أن نرى ما إذا كان هذا سيؤدي إلى صفقات ضخمة أم إلى ركود عالمي. 

ولكن مع استغلال الولايات المتحدة لقوتها الاقتصادية لتعطيل النظام التجاري، لم يعد من الممكن تجاهل احتمال استغلالها لقوتها المالية والعسكرية لإعادة هيكلة هذا النظام بما يعزز أولوياتها الصناعية والجيوسياسية.

 على أية حال، الآن وقد حل "يوم التحرير"، ينتظر العالم الخطوة التالية في خطة ترامب - إذا كان قد قرر اتخاذ خطوة واحدة!!