منارة للعلم والعبادة.. حكاية جامع التوبة في دمنهور ثانِ مسجد بُني في إفريقيا: أسسه عمرو بن العاص
في قلب مدينة دمنهور بمحافظة البحيرة، يقف مسجد التوبة شاهدا على حقبة تاريخية تمتد لأكثر من خمسة عشر قرنا، منذ أن وطأت أقدام الصحابة أرض مصر في طريقهم لفتح الإسكندرية وشمال إفريقيا، ولا تقتصر أهمية مسجد التوبة على تاريخه العريق فحسب، بل يُعد المسجد الجامع لمديرية الأوقاف، حيث تُقام فيه المناسبات الدينية الكبرى والفعاليات الرسمية بالمحافظة، كما تُنقل منه شعائر صلاة الجمعة عبر إذاعة القرآن الكريم وبعض القنوات الفضائية.
وفي هذا السياق، يقول الشيخ عطية جبريل، إمام وخطيب المسجد، إن تولي الإمامة في هذا الصرح التاريخي "شرف عظيم ومسؤولية كبيرة"، مشيرًا إلى أنه كان يشعر برهبة شديدة تجاه المسجد منذ سنوات دراسته، ولم يتخيل يومًا أن يصبح إمامًا له، لما يحمله من مكانة خاصة في قلوب أبناء البحيرة.
منارة للعلم والعبادة
وأضاف أن مسجد التوبة لم يكن مجرد مكان للصلاة، بل مركزًا لنشر الفكر الوسطي، ومنبرًا تُناقش فيه القضايا الدينية والمجتمعية، مؤكدًا أن المسجد يحتضن العديد من الفعاليات التي تعزز الوعي الديني والثقافي، ويبقى مسجد التوبة بدمنهور شاهدًا حيًا على فتوحات المسلمين، وامتدادًا لجهود الصحابة في نشر الإسلام، ورمزًا متجددًا للهوية الدينية والتاريخية لمحافظة البحيرة، ومنارةً للعلم والعبادة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ.
تأسيس المسجد
ويرجع تأسيس مسجد التوبة إلى عام 21 هجرية، في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين مرّ الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه بهذه المنطقة أثناء توجهه لاستكمال الفتوحات الإسلامية بعد تأسيسه مسجد عمرو بن العاص بمدينة الفسطاط، وتشير الروايات المتداولة إلى أنه اختار هذا الموقع المرتفع، المعروف بـ "الربوة العالية"، ليُقام عليه المسجد لما يتمتع به من مكانة استراتيجية وروحية في آن واحد.
عمر المسجد
وبحساب السنوات، فإن عمر المسجد يناهز اليوم 1426 عامًا تقريبًا، ما يجعله واحدًا من أقدم المساجد في مصر وإفريقيا، وثاني مسجد بالقارة السمراء وفق ما يتوارثه أبناء المنطقة، هذا العمق التاريخي منح المسجد مكانة خاصة في قلوب أهالي البحيرة، الذين يعتبرونه رمزًا دينيًا وتراثيًا لا يقل أهمية عن كونه بيتًا من بيوت الله، ليصبح لاحقًا ثاني مسجد في قارة إفريقيا، وليحمل عبر القرون قيمة دينية وتاريخية كبيرة لدى أهالي البحيرة، الذين تناقلوا مكانته جيلًا بعد جيل.