بين “اتنين كفاية وولادة خمسة” دفعة واحدة.. هل تتصادم سياسات الدولة السكانية مع ممارسات بعض عيادات الخصوبة

محافظات

توائم متعددة داخل
توائم متعددة داخل عيادات الخصوبة بمصر - تحقيق صحفي

بينما تواصل الدولة جهودها لخفض معدلات الإنجاب عبر حملات تنظيم الأسرة، تتزايد داخل بعض مراكز الخصوبة حالات الحمل المتعدد الناتج عن الإخصاب المساعد، لتصل في بعض الوقائع إلى أربعة وخمسة مواليد دفعة واحدة.
الواقعة التي أثارت الجدل أخيرًا أعادت طرح سؤال حساس:
هل توجد ضوابط كافية تحكم عدد الأجنة التي يتم نقلها داخل المراكز الخاصة؟

 

أرقام تجعل الملف كاملا تحت المجهر.. الحمل المتعدد في مصر

عدد المواليد السنوي في مصر
نحو 2 مليون مولود
نسبة الحمل المتعدد في الإخصاب الصناعي
20 – 30% عند نقل أكثر من جنين
نسبة الحمل المتعدد طبيعيًا
1 – 2% فقط
أبرز المخاطر الصحية للحمل المتعدد
ولادة مبكرة – احتياج لحضّانات – مضاعفات للأم
 كل حالة توائم تضغط على المنظومة الصحية، خاصة الحضّانات والخدمات الطبية الأساسية، وتزيد من التحديات الاقتصادية والاجتماعية على الأسرة.

توائم متعددة داخل عيادات خصوبه بمصر
توائم متعددة داخل عيادات خصوبه بمصر


العيادات بين المال والسياسات الصحية


في الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى ضبط النمو السكاني وحماية صحة الأمهات والأطفال، تظهر بعض مراكز الخصوبة وكأنها تعمل وفق قانون مختلف: مصلحة المال قبل كل شيء. نقل أكثر من جنين لرفع نسب النجاح أصبح ممارسة روتينية، دون أخذ الاعتبارات الصحية أو الاقتصادية بعين الاعتبار، بل أحيانًا مع تجاهل تام لما تنص عليه سياسات تنظيم الأسرة.
خبراء طبيون يحذرون من أن هذه الممارسات “تضرب بخطة الدولة عرض الحائط”، حيث تتحول الحملات الموجهة لتقليل المخاطر الصحية وضبط النمو السكاني إلى شعارات تتناقض مع الواقع الطبي داخل العيادات الخاصة. في المقابل، يحقق البعض أرباحًا مالية مرتفعة على حساب حياة الأم، ومستقبل الأطفال، وخطط الدولة السكانية، مما يضع الملف كله تحت المجهر ويطرح تساؤلات أخلاقية ومهنية صارخة: هل تبقى الصحة العامة مجرد ضحية في سباق الربح؟
 

توائم متعددة 
توائم متعددة 

 ماذا تفعل دول أخرى؟

في دول مثل United Kingdom، تفرض هيئة الإخصاب البشري والأجنة قيودًا واضحة تحد من نقل أكثر من جنين واحد في كثير من الحالات، خاصة للنساء الأصغر سنًا، لتقليل مخاطر الحمل المتعدد.
وفي Sweden، أصبح نقل جنين واحد هو المعيار الطبي الشائع، ما أدى إلى انخفاض ملحوظ في نسب التوائم الناتجة عن الإخصاب الصناعي.
أما في United States، فتوصي الجمعية الأمريكية للطب التناسلي بوضع إرشادات دقيقة تحدد عدد الأجنة المنقولة وفق عمر الأم وحالتها الصحية، لتقليل الحمل عالي الخطورة.
هذه النماذج تطرح سؤالًا مباشرًا:
هل تحتاج مصر إلى إطار تنظيمي أكثر وضوحًا يحكم هذه العمليات؟


 بين الحق في الإنجاب والسياسة السكانية


لا خلاف على أن علاج العقم حق إنساني، وأن مراكز الخصوبة تمثل أملًا لآلاف الأسر.
لكن في الوقت ذاته، تعمل الدولة على خفض معدل الإنجاب وتحقيق توازن سكاني يدعم الاقتصاد والخدمات العامة.
فهل يمكن الجمع بين الهدفين؟
أم أن غياب نقاش تنظيمي واضح قد يخلق فجوة بين السياسات السكانية والممارسات الطبية؟
 

 الأم الفقيرة وأربعة أجنة

في إحدي القري التابعة محافظة بني سويف، تروي سيدة في منتصف الثلاثينات رحلتها مع الحقن المجهري بعد سنوات من الحرمان. جمعت تكاليف العملية بشق الأنفس؛ استدانت، وباعت ما تملك، وتحملت ديونًا فوق طاقتها. ورغم ظروفها الصعبة، أصرت على نقل أربعة أجنة دفعة واحدة، ولم يشغلها كثيرًا سؤال المصاريف أو كيف ستدبر احتياجاتهم، بقدر ما كان يشغلها أن “الفرصة ما تضيعش”.


تقول بثقة ممزوجة ببساطة:
“الأولاد عزوة… وهيكبروا ويصرفوا عليّ. بدل ما أتعب تاني في فلوس عملية جديدة، ييجوا كلهم مرة واحدة.”


هذا التوجه لا يعكس فقط رغبة أم في الإنجاب، بل استجابة واقعية لواقع الفقر والاعتماد على الأبناء كشبكة أمان مستقبلية. في ظل محدودية الدعم الحكومي والخدمات الاجتماعية، كثير من الأسر تلجأ إلى “العدد يعوّض النقص”، تاركة وراءها حسابات تكاليف الرعاية الصحية والتعليم، ومخاطر الحمل المتعدد، وكأن كل طفل إضافي هو استثمار في البقاء على قيد الحياة الاقتصادية، لا مجرد فرحة بالإنجاب.


وبذلك، تتحول ولادة أربعة أو خمسة أطفال في أسرة فقيرة إلى تجربة مضاعفة للصراع بين الحياة الاقتصادية والفرح الشخصي، وبين سياسة الدولة الرامية لضبط النمو السكاني، وممارسات العيادات التي تزيد من احتمالية الحمل المتعدد.

تولادة 5 توائم داخل عيادة تخصيب -مصر
تولادة 5 توائم داخل عيادة تخصيب -مصر


 طلب تعليق رسمي من وزارة الصحة

 

هل تمتلك الوزارة إحصاءات حول نسب الحمل المتعدد الناتج عن الإخصاب المساعد؟
هل توجد ضوابط تحدد عدد الأجنة المسموح بنقلها؟
كيف تنظر الوزارة إلى تأثير هذه الحالات على السياسة السكانية؟
هل هناك توجه لمراجعة اللوائح المنظمة لعمل مراكز الخصوبة؟


 
في النهاية، لا يتعلق الأمر بفرحة أسرة رزقت بتوأم أو ثلاثة أو حتى خمسة، بل بسؤال أكبر يطرق باب السياسات العامة:
إذا كانت الدولة تسعى لخفض معدلات الإنجاب وتحقيق توازن سكاني يخفف الضغط على الاقتصاد والخدمات، فهل يمكن أن تبقى عمليات نقل عدة أجنة دون نقاش تنظيمي واضح؟
الملف لا يمس حق الإنجاب، لكنه يطرح ضرورة الموازنة بين هذا الحق والمسؤولية الصحية والمجتمعية، خصوصًا في ظل أسر فقيرة ترى في العدد عزوة وضمانًا مستقبليًا، تاركة أمامها تحديات مالية وصحية واجتماعية قد تمتد لسنوات.