السهرات الرمضانية..موروث عائلي تزين بة دواوير العائلات بـ«شندويل » فى سوهاج
لم تكن السهرات الرمضانية مجرد شيء عابر، وإنما عادات وتقاليد توارثها الأبناء عن الآباء والأجداد، يجتمعون فيها بعد صلاة التراويح في حلقاتٍ عامرة بقراءة القرآن الكريم والذكر والتواشيح، ففي بعض العائلات تُقام موائد الإطعام، بينما تكتفي عائلات أخرى بالتجمع العائلي وتبادل الأحاديث الطيبة، وفي هذا السياق نعرض عادات وتقاليد عائلات محافظة سوهاج خلال الشهر الكريم.
تجهيز الدواوين.. استعداد بالشهر الكريم
مع بداية شهر رمضان من كل عام، يبدأ أبناء العمومة في القرى والمراكز المختلفة بمحافظة سوهاج في تجهيز الدواوين العائلية، تتزين هذه الدواوين بالإضاءة والأنوار، وتُفرش بالسجاد، ويحرص الجميع على تنظيفها وتهيئتها لاستقبال الزوار، ولا يقتصر الأمر على المظهر فقط، بل يمتد ليشمل إعداد برنامج روحاني للسهرات يتضمن تلاوة القرآن الكريم، وحلقات الذكر، وإنشاد التواشيح الدينية.



وتُعد الدواوين بمثابة بيت كبير يجمع أفراد العائلة الواحدة، حيث يلتقي الصغير بالكبير، ويتبادل الجميع التهاني والدعوات الطيبة في أجواء يغمرها الصفاء والسكينة، وتتجسد فيها معاني صلة الرحم.
عائلة «ال عليو الشندويلي »… امتداد لعطاء الأجداد
وتحرص عائلة ال «أبو عليو » على استمرار السهرات الرمضانية باعتبارها امتدادًا لعطاء الأجداد، الذين غرسوا في نفوس أبنائهم قيمة الترابط والتواصل. ففي كل ليلة من ليالي الشهر الكريم، يتجمع أبناء العمومة داخل الديوان العائلي، يتبادلون التهاني، ويستقبلون الضيوف بروحٍ يغمرها الود والترحاب.



ولا تقتصر هذه السهرات على أبناء العائلة فقط، بل تمتد لتشمل باقي عائلات القرية، في مشهد يعكس روح المحبة والتآخي التي يتميز بها المجتمع الريفي في سوهاج. حيث تستقبل العائلة أبناء عائلات «الوسية»و«الشيخ علي»، و«شرف الدين»، و«الفراغلة»، و«الشفاعنة» وجميع عائلات القرية التي تربطهم صلاة صهر ونسب، لتتحول الليالي الرمضانية إلى ملتقى كبير يجمع أطياف القرية كافة تحت مظلة من الألفة والمودة.
وتبدأ الأمسية بعد صلاة التراويح بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، تعقبها حلقات الذكر والتواشيح الدينية، ثم أحاديث ودية تعزز أواصر القربى وتجدد معاني الإخاء بين الجميع. وفي بعض الليالي يُقدَّم الطعام والمشروبات الرمضانية كنوع من الكرم المتوارث، فيما يحرص كبار العائلة على توجيه كلمات النصح والتذكير بأهمية الحفاظ على هذه العادة الأصيلة.
حلقات الذكر والتواشيح… روح السهرات الرمضانية
وفى إحدى السهرات الرمضانية، احتفالا بليلة العاشر من رمضان، استقبل الزوار بالديوان العائلي بعد صلاة التراويح بمقر عائلة «ال عليو الشندويلي »، حيث جلس الحضور في حلقات يتوسطه احد ابناء العائلة، وبعض المشايخ والمفسرين الشيخ محمد صالحين والشيخ أبو بكر الصاوي، وذلك بحضور عددٍ من عائلات القرية، حيث تبادل الحضور المشاعر الطيبة واستعادوا الذكريات، كما تطرّقوا إلى بعض التفسيرات الدينية، أحد القراء أو المنشدين، لتبدأ تلاوة عطرة من كتاب الله، يعقبها الذكر الجماعي والتواشيح التي تُلهب المشاعر وتبعث الطمأنينة في النفوس.
وفي بعض العائلات تُقام موائد بسيطة يُقدَّم فيها الطعام والحلوى والمشروبات الرمضانية، إحياءً لسنة الإطعام في الشهر الفضيل، بينما تكتفي عائلات أخرى بالتجمع العائلي وتبادل الأحاديث الودية، تأكيدًا على أهمية صلة الرحم والتراحم بين أفراد الأسرة.
ومن بين النماذج التي تعكس عمق هذا التراث، ما يرويه الشيخ محمد الشيخ سيد، أحد قرّاء عائلة «ال عليو الشندويلي» بسوهاج، إذ يؤكد أنه كان يرى والده يصطحبه منذ صغره إلى ديوان عائلة « ال عليو »لإحياء ليالي الذكر خلال شهر رمضان، ويضيف أنه داوم على إحياء هذه السهرات بعد وفاة والده وفاءً لما كان يحرص عليه، وإيمانًا منه بأهمية استمرار هذا النهج الروحاني الذي يجمع القلوب على طاعة الله.
ويشير إلى أن هذه المجالس لا تقتصر على التلاوة والإنشاد، بل تمثل مدرسة تربوية يتعلم فيها الأبناء احترام الكبير، وحب القرآن، والاعتزاز بالهوية الدينية والاجتماعية.
إن السهرات الرمضانية في عائلات سوهاج ليست مجرد لقاءات عابرة، بل هي موروث اجتماعي وديني يعكس قوة الترابط الأسري وعمق الانتماء. ففي زمن تتسارع فيه وتقل فيه فرص اللقاء، تبقى هذه الليالي المباركة فرصة سنوية لإعادة وصل ما انقطع وتجديد العهد بالمحبة والتسامح.
وهكذا تظل الدواوين مضيئة بأنوارها، نابضة بأصوات الذكر والتلاوة، شاهدة على تقليد أصيل حافظ عليه الآباء، ويسير على نهجه الأبناء، ليبقى رمضان في سوهاج شهر عبادةٍ وصلةٍ وبهجةٍ تتجدد كل عام.







