طفل باسوس يقرع ناقوس الخطر.. الحل في التغليظ
لم تكن حادثة باسوس مجرد جريمة عابرة تمر مرور الكرام في زحام الأخبار اليومية، لا، كانت جريمة ناطقة بكل ما هو بشع في هذه الحياة.
ثلاثة ملثمين يعترضون طريق رجل وابنه الطفل وهما عائدان من صلاتي العشاء والتراويح، في لحظة كان المفترض أن تكون لحظة خشوع وطمأنينة، حولوها إلى كابوس دموي بطلقات الخرطوش التي لم تفرق بين جسد الأب وصغيره، والنتيجة.. إصابات حرجة، وطفل يواجه الآن خطر بتر قدمه.
ليست جريمة عادية، هي إعلان حرب على المجتمع بأسره، يتطلب وقفة حاسمة وحازمة ورادعة.
نعم، حرب، فعندما يخرج ملثمون ليقطعوا الطريق على المواطنين، يروعون الآمنين، ويطلقون النار على الأطفال، فهم لا يعتدون على فردين فقط، بل يعتدون على فكرة الأمن ذاتها.
إنهم يعلنون أن الدولة غائبة، أن القانون مجرد حبر على ورق، أن الدم المصري أصبح سلعة رخيصة، ولكن هيهات هيهات، فلقد كانت سويعات قليلة حتى ظهر الجناة على الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية، إعلانا بالقبض عليهم، كما عهدنا من أبطال الوزارة في الفترة الأخيرة، من سرعة التحرك لكشف ملابسات الجرائم وضبط الجناة وتقديمهم للعدالة.
يد الأمن تحركت وأدت دورها المنوط بها على الوجه الأكمل وضبطت الجناة، ويبقى الدور الأهم وهو دور يد العدالة الناجزة الحاسمة، على قدر تلك الجريمة لا بد أن يكون حجم العقوبة، ومع احترامي لمبدأ «العدالة لازم تاخد مجراها» إلا أنني في تلك الحالة تحديدا -ومثيلاتها- أطالب بحكم استثنائي غير طبيعي فالواقعة واضحة ومصورة وموثقة بالصوت والصورة وأقوال الشهود.
إن أردنا حدا لتلك الجرائم التي بدأت تنتشر كالنار في الهشيم فلا بد من ردع وحسم وعقوبة مغلظة، فأمن المجتمع وسلامة المواطنين أولى وأهم من أي شيء.
المشكلة أننا نتعامل مع هذه الجرائم وكأنها "حوادث" عادية، ننتظر تحقيقات تطول، ومحاكمات تمتد، وأحكامًا إن صدرت فربما لا تنفذ.
ثم يأتي دور المؤسسات لتلقي بمسؤوليتها على الأخرى، الإعلام يتحدث عن التوعية، والمؤسسة الدينية تخطب في أهمية الأخلاق، والدراما تقدم أعمالًا تكرس صورة البلطجي كبطل شعبي، فمن أين الحل؟
كل هذا لا يسمن ولا يغني من جوع كل هذا لا يعيد للطفل قدمه إن بترت، ولا يعيد للأب روحه التي سُلبت وهو يرى دماء ابنه تتفجر أمام عينيه، ولا يعيد الانضباط إلى الشارع.
ما نحتاجه الآن ليس كلامًا، ما نحتاجه هو عقوبة تقطع الطريق على أي بلطجي يفكر في سلوك ذلك الجرم، لما لا نطبق حد الحرابة، فهي عقوبات رادعة باتة سريعة، لمن تسول له نفسه العبث بأمن المجتمع.
فالذين يخرجون ليقطعوا الطرق، ويروعوا الآمنين، ويقتلوا الأطفال، ليسوا مجرمين عاديين، هم محاربون لله وللمجتمع، وحدهم يستحقون أقصى العقوبات.
إن من يروع الآمنين في طرقهم، ويسلبهم أمنهم، ويسفك دماءهم، ليس له مكان بيننا، والخوف من القسوة هنا ليس انتقامًا، بل وقاية.
هو بناء سور عالٍ حول المجتمع يحميه من الذئاب، فحين يعلم كل من تسول له نفسه الإجرام أن العقوبة ستكون حتمًا قطع اليد والرجل من خلاف لمن سرق وقتل، أو القتل ثم الصلب لمن قتل وأفسد في الأرض، فسيظل يفكر ألف مرة قبل أن يمد يده إلى سلاح.
الحدود ليست مجرد عقوبات، الحدود نظام حماية متكامل، تحمي الأعراض، تحمي الأموال، تحمي الأرواح، تحمي الأمن العام، وهي ليست بديلا للقانون الطبيعي المعمول به، بل هي أصله وترجمته وفلسفته، هي السور الواضح العالي حول مجتمع يريد لأبنائه أن يعيشوا في أمان.
هل بعد ما حدث في باسوس، وبعد كل ما نراه من جرائم مماثلة، لا زلنا نتردد في تطبيق هذا النظام؟ هل لا زلنا نبحث عن حلول وسط مع من لا يفهمون إلا لغة القوة؟
كفى تغطية الشمس بالغربال، وكفى كلام، المطلوب الآن هو تحرك فوري: دراما توعوية حقيقية لا تمجد البلطجة ووقف كل الأعمال التي تسلط الضوء على الجرائم وتلمع البطل وتبرز أدوات الجريمة ولتذهب حرية الفن في هذا الأمر إلى الجحيم إن كانت ستؤدي بنا إلى تلك الجرائم، وأحكام لا تعرف الانتظار، وسيف قانون لا يغمد حتى يقطع دابر المفسدين.
فعندما يرى الناس أن عدالة الدولة أسرع من رصاص المجرمين، وعقوباتها أقسى من جرائمهم، ستعود الطمأنينة إلى القلوب.
وحينها فقط، سيعلم هؤلاء الخنازير أن المجتمع ليس ساحة صيد مفتوحة، بل هو غابة قوانينها لا ترحم من يحاول كسرها.
كلي ثقة في تحرك أجهزة الدولة كافة كالمعتاد لوضع حد لتلك الجرائم الشنعاء، بداية من السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، الذي تدخل بنفسه في أكثر من حادثة وطالب بتغليظ عقوبتها، مرورا بمجلس النواب الذي على عاتقه سن تشريع لتغليظ مثل تلك العقوبات، وصولا إلى القضاء الذي لن يتوانى عن إصدار أحكام تعادل جرم تلك الأحداث.