المرصد المصري للصحافة والإعلام يرفض تحويل الإذن المسبق للتصوير والنشر إلى قيد عام على حرية الصحافة

أخبار مصر

بوابة الفجر

أكد المرصد المصري للصحافة والإعلام، متابعته للمناقشات التي شهدتها لجنة الثقافة والسياحة والآثار والإعلام بمجلس الشيوخ المصري، بشأن الاقتراح برغبة المقدَّم من النائب ياسر جلال، والمتعلّق باشتراط الحصول على إذن مسبق للتصوير أو التسجيل أو النشر.

وقال المرصد في بيان له: "إن المقترح لا يزال في مرحلته الإجرائية الأولى، فإن تحويل هذا التصوّر إلى قاعدة عامة ومُلزمة، تحكم ممارسة الحق في المجال العام المفتوح، يثير إشكاليات دستورية وحقوقية جدية تستوجب نقاشًا علنيًا متعمقًا قبل الانتقال إلى أي صياغة تشريعية".

وأكد المرصد أن التنظيم التشريعي للحقوق أمر مشروع من حيث المبدأ، غير أن هذا التنظيم لا يجوز أن يتحول إلى اشتراط إداري سابق على مباشرة الحق ذاته؛ فالتمييز بين تنظيم الحق والرقابة السابقة عليه تمييز جوهري في الفقه الدستوري.

وكشف أن الرقابة السابقة تتحقق متى أصبحت ممارسة الحق مرهونة بموافقة أو إذن قبل وقوع الفعل التعبيري أو التوثيقي، بما يجعل أصل الحرية خاضعًا لإرادة إدارية سابقة، ولا يجوز أن تُقيَّد ممارسة الحقوق والحريات بما يمس أصلها أو جوهرها.

وتابع: "الإطار الدستوري في هذه المسألة واضح؛ فالمادة (65) من الدستور تكفل حرية الفكر والرأي والتعبير بكافة وسائله، بما في ذلك الوسائل البصرية".

واستكمل البيان: "المادة (70) حرية الصحافة وسائر وسائل الإعلام. وتحظر المادة (71) فرض رقابة على وسائل الإعلام أو تعطيلها إلا في حالات استثنائية محددة وبحكم قضائي، كما تنص المادة (68) على أن المعلومات والوثائق الرسمية ملك للشعب، وأن الإفصاح عنها حق تكفله الدولة وينظمه القانون".

وأوضح أن النصوص تقرر أن الحرية هي الأصل، وأن القيود استثناء محدود يُفسَّر تفسيرًا ضيقًا ويخضع لمعياري الضرورة والتناسب، ولا يجوز أن يمتد إلى جوهر الحق أو يُفرغه من مضمونه.

ولفت إلى أن هذا النقاش لا ينفصل عن المعايير الدولية المستقرّة لحرية التعبير وتداول المعلومات؛ فقد نصت المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 على أن لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، بما يشمل التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأية وسيلة ودون اعتبار للحدود.

وكشف أن المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، الذي انضمت إليه مصر وأصبح جزءًا من التزاماتها القانونية الدولية، نصّت على أن حرية التعبير تشمل التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها بأية وسيلة يختارها الشخص.

وأشار إلى أن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، أكدت أن القيود لا تكون مشروعة إلا إذا كانت محددة بنص واضح، وضرورية، ومتناسبة مع هدف مشروع.

وتُظهر التجارب الدستورية في الدول المختلفة، تمييزًا واضحًا بين تنظيم محدود داخل أماكن مغلقة، أو فعّاليات تتطلّب ترتيبات خاصة للدخول، وبين اشتراط الحصول على إذن مُسبق عام للتصوير أو النشر في المجال العام المفتوح؛ فالتنظيم المحدود قد يكون مقبولًا إذا استند إلى قواعد واضحة ومحددة وضرورية، أما اشتراط الإذن المُسبق كقاعدة عامة في المجال العام، فيُعد قيدًا سابقًا على ممارسة الحق؛ لأنه قد يمنع الصحافة والجمهور من توثيق الأحداث، ومراقبة الشأن العام.

وأكد المرصد إدراكه أن اعتبارات الأمن القومي أو حماية المنشآت الحيوية قد تبرر تنظيمًا محددًا في نطاقات مغلقة أو حساسة بطبيعتها، غير أن هذا التنظيم يجب أن يكون محدد النطاق، واضح المعايير، ومحكومًا بالضرورة الفعلية، وألا يتحول إلى قاعدة عامة تمس المجال العام بأسره أو تُخضع ممارسة الحق لإذن إداري سابق.

وكشف أن المسألة لا تتعلّق بحقوق الصحفيين وحدهم، بل بحق المجتمع في المعرفة والمساءلة؛ فالتصوير والتوثيق في الفضاء العام أداة أساسية لنقل الوقائع ذات الصلة بالمصلحة العامة، ومتابعة أداء المؤسسات، وكشف الانتهاكات. وأي قيد عام عليه ينعكس مباشرة على شفافية المجال العام وقدرة المجتمع على مراقبة الشأن العام.

وأكد ضرورة قراءة هذا النقاش في سياق الدعوات الرسمية إلى تطوير المنظومة الإعلامية والارتقاء بأدائها وتعزيز مهنيتها.

ورأى المرصد أن تطوير الإعلام يتحقق عبر بيئة قانونية واضحة تكفل حرية العمل الإعلامي المسؤول، وترسّخ الحق في الوصول إلى المعلومات، وتعزّز الثقة بين المؤسسات والجمهور.

ولفت إلى أن معالجة أي إشكاليات تنظيمية لا تكون بفرض قيود عامة، بل بإدارة نقاش علني وشفاف حول أي صياغات مقترحة، والالتزام الصارم بمبدأي الضرورة والتناسب، والإسراع في استكمال الإطار التشريعي المنصوص عليه في المادة (68) من الدستور عبر إصدار قانون متكامل لتداول المعلومات، يحقق التوازن بين متطلبات التنظيم، وحق المجتمع في الوصول إلى المعلومات، دون المساس بحرية التعبير.

وتابع: "بالنظر إلى أن الاختصاص التشريعي الأصيل ينعقد لمجلس النواب، فإن المرصد المصري للصحافة والإعلام، يطالبه بعدم المضي في أي تعديل من شأنه اشتراط إذن مُسبق عام للتصوير أو النشر في المجال العام، وضمان اتساق أي تنظيم محتمل مع نصوص المواد (65) و(68) و(70) و(71) من الدستور، ومعايير الضرورة والتناسب".

ودعا المرصد إلى نشر أي مشروع تعديل للحوار المجتمعي قبل إقراره، والإسراع في إصدار قانون متكامل لتداول المعلومات، تنفيذًا للاستحقاق الدستوري.

ودعا المرصد نقابة الصحفيين، ونقابة الإعلاميين، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام، إلى إعلان مواقف واضحة، والمشاركة الفاعلة في هذا النقاش التشريعي، بما يضمن حماية الضمانات الدستورية، وعدم الانتقاص منها.

وأهاب المرصد بالنواب من الصحفيين والإعلاميين، أن يُجسّدوا خبراتهم المهنية في الدفاع عن بيئة قانونية تحمي حرية العمل الإعلامي، وأن يدعموا أي مسار تشريعي يعزّز الشفافية ويصون الحق في المعرفة، ويرفضوا أي اتجاه يُخضع ممارسة هذا الحق لإذن مسبق عام.

وقال إن حرية التعبير وتداول المعلومات التزام دستوري وحقوقي واجب الاحترام، وأي تنظيم يجب أن يظل خادمًا لهذا الالتزام، لا بديلًا عنه ولا شرطًا سابقًا عليه.