عبد المجيد عبدالله يكتب: حكايات من المستشفى.. من دفتر الصحة بلا مسكنات
في لحظة فارقة تمس صميم منظومة التعليم الطبي والخدمة الصحية في مصر، يلفت الانتباه غياب مقلق لأهل الاختصاص عن واحدة من أخطر القضايا المطروحة حاليًا وهي تعديل قانون المستشفيات الجامعية، حيث لا نسمع صوت عميد كلية طب أو مدير مستشفى جامعي أو حتى رئيس قسم في صمت جماعي يثير الدهشة ويطرح تساؤلات مؤلمة حول مستقبل هذا الكيان العريق الذي ما دام كان العمود الفقري للتدريب الإكلينيكي في البلاد.
إن القضية لا تتطلب بطولات فردية أو بيانات صاخبة بقدر ما تحتاج إلى وقفة جادة من المسؤولين للدفاع عن مؤسسات تجاوز عددها ١٥٠ مستشفى وقدمت خدماتها لأكثر من ٣٢ مليون مواطن، وشاركت بفعالية في المبادرات الرئاسية، ولكن الواقع يشير إلى أن أهل الاختصاص غائبون تمامًا عن المشهد التشريعي، تاركين الساحة للنقاشات التي قد تفتقر للرؤية الفنية المتخصصة، مما يفتح الباب لتشريعات قد تصاغ بعيدًا عن الواقع العملي المعقد لهذه المؤسسات الحيوية.
لكن الواقع يقول إن أهل الاختصاص غائبون عن المشهد، فمن اذن عليه السعي للنقاش، هل الصاحفيون ام المحامون ام المجتمع المدني؟!
المستشفيات الجامعية ليست مباني أو هياكل إدارية، بل مؤسسات علمية وعلاجية حملت على عاتقها لعقود مسؤولية إعداد الأطباء، وتقديم خدمة صحية متقدمة لملايين المواطنين، خاصة في الحالات المعقدة والحرجة.
ومن هذا المنطلق، فإن لها حقًا أصيلًا على خريجيها، وعلى قياداتها الأكاديمية والإدارية، بأن يكونوا في الصفوف الأولى عند مناقشة أي تشريع يمس مستقبلها، بل ويجب ان يشارك اهلها مع الحكومة في مشروع القانون، ولا نعلم كمجتمع مدني هل شاركوا ام لا ام تم ابعادهم ام ابعدوا انفسهم؟!
وها هي تحدث عن نفسها بان لها دور في التعليم الطبي، لابنائها من خريجي كليات الطب طوال فترة الدراسة وكذا اثناء فترة الامتياز،.
ولا يجب ان ننسي المجلس الاعلي للمستشفيات الجامعية، الذي ترأسه في وقت سابق الدكتور حسام عبدالغفار وكان شعلة من النشاط هنا وهناك، لايكل ولا يمل من متابعة امور المستشفيات الجامعية.
كاتب هذه السطور عزيزي القاريء، لايعلم من هو الرئيس الحالي لمجلس المستشفيات الجامعية، ولم يقرأ له تصريحا واحدا عن مشروع القانون الذي ناقشه مجلس الشيوخ، ولم يسمع إنه اعترض أو وافق علي المشروع في نشرات الاخبار أو الصحف أو المواقع الالكترونية.
وارجوه واناشده ان يخرج علي الرأي العام ويوضح ما سيحدث للمستشفيات الجامعية، في مشروع القانون، وما هي وجهة نظره وما هي رؤيته.
الأمر الأكثر خطورة أن يُقال على لسان ممثل الحكومة وزير شئون المجالس النيابية، أن القانون غير ملزم بالتشاور مع نقابة الأطباء، وأن التواصل معها يندرج فقط في إطار “التقدير”. هنا تتضاعف علامات الاستفهام:
أين أعضاء هيئة التدريس؟
أين مجالس الكليات؟
أين رؤساء الجامعات من خريجي الطب البشري الذين يعرفون جيدًا ماذا تعني المستشفيات الجامعية للدولة وللمهنة؟
ما صدمني وتسبب لي في غصة ان عدد ممن تواصلت معهم من شباب الاطباء من النواب أو المدرسين المساعدين أو المدرسين ليس لديهم علم أو خلفية عن الموضوع من قريب أو بعيد، هل فقدوا الامل، ام ماذت يشغل بالهم.؟!
إن غياب الصوت الأكاديمي والطبي المتخصص عن مناقشة هذا القانون لا يضعف فقط موقف المستشفيات الجامعية، بل يفتح الباب لتشريعات قد تُصاغ بعيدًا عن الواقع العملي، ودون فهم دقيق لتعقيدات العمل الطبي والتعليمي داخل هذه المؤسسات.
الدخول في نقاش جاد مع الحكومة ليس ترفًا ولا صدامًا، بل واجب مهني وأخلاقي. واجب يفرضه الانتماء للمهنة، والمسؤولية تجاه الأجيال القادمة من الأطباء، وتجاه المرضى الذين يجدون في المستشفيات الجامعية ملاذهم الأخير.
الصمت هنا ليس حيادًا، بل موقف.
ومعركة قانون المستشفيات الجامعية لا تحتمل الغياب.
عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الذين تناولوا خلال مناقشاتهم مشروع قانون تنظيم المستشفيات الجامعية، وأبدوا ملاحظات جوهرية حول عدد من أوجه القصور والعوار التشريعي الوارد بالمشروع.
وتري نقابة الاطباء إنه ا الممثل القانوني والمهني للأطباء في مصر، وأحد الأطراف الأصيلة المعنية بأي تشريع يمس بيئة العمل الطبي والخدمة الصحية المقدمة للمواطنين، وهي تهدف إلى حماية حقوق الأطباء، وضمان جودة وأمان الخدمة الطبية، والحفاظ على كفاءة واستقرار بيئة العمل داخل المؤسسات الصحية، وعلى رأسها المستشفيات الجامعية، والتي تُعد هي العماد الرئيسي للنظام الصحي والتعليم الطبي في مصر.
وترفض ما قدمته الحكومة في مشروع القانون.