أسماء عبدالعظيم تكتب: «بين الصورة والحقيقة.. لماذا فقد الناس ثقتهم في المسؤول؟»

أسماء عبدالعظيم تكتب: «بين الصورة والحقيقة.. لماذا فقد الناس ثقتهم في المسؤول؟»

مقالات الرأي

🖊️ بقلم ـ أسماء
🖊️ بقلم ـ أسماء عبد العظيم

لم يعد المواطن اليوم يصدق ما يُقال بقدر ما يصدق ما يراه بعينه. لم تعد الصور الرسمية ولا التصريحات الرنانة ولا عناوين الإنجازات كافية لإقناعه بأن الأمور تسير على ما يرام. السبب ليس في المواطن، بل في الفجوة الواسعة التي نشأت بين الصورة التي تُعرض عليه، والحقيقة التي يعيشها كل يوم في الشارع.

أصبحت ثقافة “التصوير قبل التنفيذ” ظاهرة واضحة. نجد المسؤول يحرص على التقاط الصور في موقع المشكلة أكثر من حرصه على حلها فعليًا. تُنشر الأخبار عن حملات نظافة بينما القمامة ما زالت في نفس مكانها، تُعلن خطط تنظيم المرور بينما الفوضى تزداد، تُتداول أخبار عن تطوير الميادين بينما المواطن يعاني من العشوائية والروائح والتكدس وسوء الخدمات. هنا يبدأ المواطن في فقدان الثقة، ليس لأنه معارض، بل لأنه يرى بعينه عكس ما يُقال له.

المشكلة الحقيقية ليست في نقص الموارد فقط، بل في طريقة إدارة المشهد. هناك فرق كبير بين مسؤول يزور موقع المشكلة دقائق معدودة لالتقاط صورة، ومسؤول يعيش تفاصيلها ويفهم جذورها ويبحث عن حل دائم لها. الأول يصنع صورة، والثاني يصنع ثقة. والصورة قد تخدع للحظة، أما الثقة فلا تُبنى إلا بالفعل.

حين يرى المواطن تراكم القمامة دون حل جذري، وميادين عامة تحولت إلى جراجات عشوائية، وأطفال شوارع ومشردين دون تدخل حقيقي، وخدمات حكومية بطيئة ومعقدة، وتماثيل ومعالم حضارية مهملة، فإنه لا يحتاج إلى تقارير ليدرك أن هناك خللًا. هذه المشكلات اليومية البسيطة في ظاهرها هي التي تهدم الثقة أكثر من أي قضية كبيرة.

الثقة لا تُهدم فجأة، بل تتآكل تدريجيًا مع كل موقف يشعر فيه المواطن أن معاناته غير مرئية أو غير مهمة. وحين تتآكل الثقة، يصبح أي إنجاز حقيقي بلا أثر، لأن المتلقي لم يعد مستعدًا للتصديق.

استعادة الثقة لا تحتاج إلى ميزانيات ضخمة بقدر ما تحتاج إلى تغيير في الفكر الإداري. تحتاج إلى مسؤول ينزل إلى الشارع بلا كاميرات، يسمع شكاوى الناس، يضع حلولًا قابلة للتنفيذ، ويتابع تنفيذها بنفسه. تحتاج إلى الاعتراف بالمشكلة قبل تجميلها، وإلى الشفافية بدل التجميل الإعلامي.

ومن الحلول الواقعية التي يمكن تطبيقها فورًا إعادة تنظيم الميادين والساحات العامة ومنع استخدامها كجراجات عشوائية من خلال تحديد أماكن انتظار واضحة ومراقبة التنفيذ، وضع نظام يومي ثابت لجمع القمامة وليس حملات موسمية، إنشاء فرق تدخل سريع لحل المشكلات الميدانية خلال ساعات لا أيام، تفعيل دور المراكز التكنولوجية لتقليل معاناة المواطن في الإجراءات الحكومية، حصر المشردين وأطفال الشوارع بالتنسيق مع التضامن الاجتماعي لإيجاد حلول إنسانية حقيقية، إعادة تأهيل المعالم والتماثيل والميادين لتعود صورة حضارية تليق بالمكان، والأهم إنشاء قنوات تواصل مباشرة بين المواطن والمسؤول لتلقي الشكاوى ومتابعتها بشفافية.

كما أن نشر التقارير الواقعية بالإنجازات الفعلية بالأرقام قبل الصور يعيد المصداقية، فالمواطن لا يريد أن يرى المسؤول، بل يريد أن يرى نتيجة عمله. يريد شارعًا نظيفًا، ميدانًا منظمًا، خدمة سريعة، واهتمامًا حقيقيًا.

الحقيقة أن الثقة أهم من أي مشروع، وأغلى من أي ميزانية، وأقوى من أي حملة إعلامية. فإذا فقدها المسؤول، فقد أهم أدوات نجاحه. وإذا استعادها، أصبح الناس شركاء في النجاح لا مجرد متلقين للوعود.

وفي النهاية، لن يتذكر الناس عدد الصور التي التُقطت، ولا التصريحات التي قيلت، بل سيتذكرون فقط كيف كانت حياتهم قبل المسؤول وكيف أصبحت بعده. سيتذكرون هل مشوا في شارع نظيف أم تعثروا في فوضى، هل وجدوا خدمة كريمة أم عانوا من التعقيد، هل شعروا أن هناك من يسمعهم أم أن أصواتهم ضاعت في الزحام.

فالمسؤول الحقيقي لا يُقاس بعدد جولاته، بل بعدد المشكلات التي اختفت من حياة الناس. ولا تُصنع هيبته بالكاميرات، بل تُصنع بثقة المواطن فيه. وحين تتطابق الحقيقة مع الصورة، لا يحتاج المسؤول إلى تلميع، لأن الواقع نفسه يصبح أفضل دعاية له.