أسماء عبدالعظيم تكتب: أطفالنا في العراء الرقمي.. طفولة بلا دروع

أسماء عبدالعظيم تكتب: أطفالنا في العراء الرقمي.. طفولة بلا دروع

مقالات الرأي

بقلم ـ أسماء عبد
بقلم ـ أسماء عبد العظيم

الطفل اليوم لا يعيش طفولته كما عشناها نحن بل يعيش داخل شاشة مفتوحة على عالم بلا أبواب ولا حراس هاتف صغير أصبح بوابة لكل شيء الجيد والسيئ معًا بينما الطفل لا يملك الوعي ولا القدرة على التمييز فيرى ما لا يناسب عمره ويسمع ما لا يفهمه ويقلد ما لا يدرك عواقبه فنفاجأ بتغيرات سلوكية حادة وانعزال وغضب وعدوانية وإدمان صامت يكبر معنا يومًا بعد يوم الطفل لم يعد يخرج إلى الشارع ليواجه الخطر بل الخطر هو الذي يدخل إليه وهو جالس على سريره نرى أطفالًا في العاشرة يعرفون تفاصيل لم يكن الكبار يعرفونها إلا بعد سنوات يسمعون ألفاظًا صادمة ويشاهدون عنفًا متكررًا حتى فقد الإحساس بمعناه الطبيعي.

نرى أطفالًا يقلدون تحديات منتشرة على مواقع التواصل يقفزون من أماكن مرتفعة أو يؤذون أنفسهم أو غيرهم فقط ليحصلوا على إعجاب أو مشاهدة واحدة وكأن القيمة الإنسانية أصبحت رقمًا على شاشة طفل يصور نفسه وهو يسخر من معلمه أو يعتدي على زميله ثم يعود إلى بيته فخورًا لأنه أصبح حديث المنصات ليوم واحد دون أن يسأل أحد ماذا خسر مقابل هذا الظهور المؤقت.

هناك أطفال استُدرجوا بكلمة لطيفة أو لعبة مجانية أو وعد بشهرة وهمية ثم وجدوا أنفسهم داخل دوائر ابتزاز مخيفة صورة واحدة كفيلة بتدمير نفسية طفل ورسالة تهديد قادرة على إسكات طفل شهورًا خوفًا من الفضيحة فيختار الصمت بينما يكبر داخله الخوف والذنب وهو في الحقيقة ضحية لا مذنب

الإدمان الرقمي أصبح واقعًا نراه يوميًا طفل لا يستطيع تناول طعامه دون هاتف لا ينام إلا بعد ساعات طويلة أمام الشاشة يغضب وينفعل إذا انقطع الإنترنت يفقد تركيزه في المدرسة ويتراجع تحصيله الدراسي ويتحول إلى شخص مشتت عصبي لا يعرف كيف يجلس أو يلعب أو يتواصل دون شاشة تملأ فراغًا لم نعلمه كيف يملأه بنفسه.

الأخطر من كل ذلك أن القيم تُعاد صياغتها ببطء وهدوء الشجاعة تحولت إلى تهور والاحترام إلى سخرية والنجاح إلى ضجيج بلا جهد والقدوة لم تعد الأب ولا الأم ولا المعلم بل شخص مجهول خلف شاشة يصرخ أو يرقص أو يفتعل الجدل ليحصد المشاهدات فيتعلم الطفل أن الطريق الأسرع هو الأعلى صوتًا لا الأصح قيمة.

المشكلة الحقيقية ليست في التكنولوجيا بل في غياب التنظيم وترك الطفل يواجه هذا العالم وحده والحل يبدأ من وضع حدود عمرية حقيقية لا شكلية تحدد متى وكيف يستخدم الطفل هذه المنصات مع إلزام المنصات نفسها بتحمل مسؤوليتها في منع المحتوى الضار قبل وصوله لا بعد أن يترك أثره كما يبدأ الحل بتمكين الأسرة لا اتهامها بتوفير أدوات رقابة واضحة وتوعية حقيقية تساعد الأهل على المتابعة دون عنف أو قمع لأن الطفل لا يحتاج منعًا أعمى بل توجيهًا واحتواءً وحوارًا.

ولا يقل التعليم أهمية عن أي حل آخر فبناء الوعي الرقمي يجب أن يصبح جزءًا من تكوين الطفل كيف يحمي خصوصيته كيف يرفض كيف يبلغ وكيف يميز بين الخطأ والصواب لأن الطفل الواعي أقل عرضة للاستغلال وأكثر قدرة على النجاة أما التنمر والاستغلال الرقمي فيجب التعامل معهما كجرائم مكتملة الأركان لا كتصرفات عابرة لأن الكلمة الجارحة عبر شاشة قد تترك جرحًا أعمق من أي أذى جسدي.

وفي النهاية نحن لا نبالغ ولا نهوّل بل نُدق جرس إنذار قبل أن يفوت الأوان الطفل لا يملك رفاهية الاختيار ولا أدوات الدفاع وتركه وحده في هذا العالم الرقمي المفتوح هو تخلي صامت عن مسؤوليتنا تجاهه إن حماية الأطفال اليوم ليست معركة ضد التكنولوجيا بل معركة من أجل الإنسان من أجل براءة لا تُعوَّض ووعي إذا انكسر لا يُرمم فالطفولة إن ضاعت لا تعود وما نخسره الآن سندفع ثمنه غدًا أضعافًا.