أسماء عبدالعظيم تكتب: التعليم في مصر بين واقع مُنهك وإصلاح لا يحتمل التأجيل
أسماء عبدالعظيم تكتب: التعليم في مصر بين واقع مُنهك وإصلاح لا يحتمل التأجيل
أزمة التعليم في مصر لم تعد أزمة مناهج أو امتحانات فقط بل أصبحت أزمة منظومة كاملة يدفع ثمنها الطالب ويُستنزف فيها المعلم وتُرهق الأسرة ويتضرر منها المجتمع كله فالجميع يعلم حجم المشكلة لكن الاعتراف وحده لا يكفي إذا لم يتحول إلى فعل حقيقي.
في المدارس الحكومية نرى المشهد اليومي بوضوح ففصول تضم خمسين وستين طالبًا يُطلب من معلم واحد أن يشرح ويربي ويقيّم في وقت واحد فكيف يمكن أن يتابع الفروق الفردية أو يزرع التفكير النقدي أو حتى يضمن وصول المعلومة للجميع ويخرج الطالب من الحصة محملًا بالأسئلة لا بالإجابات.
الطالب في هذه المدارس يحضر جسدًا ويغيب عقلًا لأنه يعلم أن الفهم الحقيقي سيبحث عنه بعد المدرسة في درس خصوصي إن استطاعت أسرته تحمّل التكلفة وإن لم تستطع يظل محكومًا بحدود الفصل المزدحم والشرح السريع فيتكرس الإحساس بالظلم ويترسخ الفرق الطبقي داخل التعليم نفسه.
أما المعلم الحكومي فيدخل الفصل وهو يحمل رسالة لكن يصطدم بواقع صعب كثافة طلابية خانقة نقص وسائل تعليمية أوراق إدارية لا تنتهي وتقييم لا يقيس مجهوده الحقيقي فيجد نفسه مضطرًا للاختصار أو التلقين لا اقتناعًا بل قهرًا بالوقت والظروف ومع مرور الوقت تتحول المهنة من رسالة إلى معركة بقاء.
وفي كثير من المدارس الحكومية لا توجد أنشطة حقيقية ولا معامل مجهزة ولا مكتبات فاعلة فيتحول اليوم الدراسي إلى ساعات محفوظة بلا روح ويُختزل التعليم في السبورة والكتاب بينما يُحرم الطالب من التجربة والاكتشاف وتنمية المهارات.
والأسرة بدورها تعيش مأزقًا يوميًا فولي الأمر يرى ابنه يذهب إلى المدرسة لكنه لا يثق أن المدرسة وحدها كافية فيضطر للاقتراض أو الاستدانة لتوفير دروس خصوصية ويشعر بالعجز أمام منظومة تجعله يدفع مرتين مرة في الضرائب ومرة في التعليم الموازي.
أما الإدارة التعليمية في كثير من الأحيان فتنشغل بالشكل أكثر من الجوهر تقارير تُكتب وحضور يُسجل وقرارات تُنفذ على الورق بينما يظل الفصل مزدحمًا والمعلم مُنهكًا والطالب حائرًا لأن السياسات تُصاغ بعيدًا عن أرض الواقع.
الإصلاح الحقيقي يبدأ بإجراءات واضحة
تقليل الكثافة الطلابية تدريجيًا ولو على مراحل حتى يشعر الطالب أنه مرئي
تمكين المعلم داخل الفصل ماديًا ومهنيًا وربط الأجر بالتدريب الحقيقي لا بالأعباء الورقية.
إعادة المدرسة إلى دورها بتفعيل مجموعات تقوية حقيقية داخل المدارس الحكومية بإشراف المعلمين وبمقابل رمزي أو مجاني.
تطوير المناهج لتكون أقل حجمًا وأكثر ارتباطًا بالحياة اليومية وسوق العمل
تفعيل الأنشطة والمعامل لأنها ليست رفاهية بل جزء من بناء الشخصية
إشراك الأسرة بوعي عبر تواصل حقيقي مع المدرسة لا بلغة اللوم والضغط
إن استمرار الوضع الحالي يعني إعادة إنتاج الأزمة كل عام بأسماء جديدة وطلاب أكثر إحباطًا ومعلمين أكثر إنهاكًا وأسر أكثر فقرًا لأن التعليم الذي لا يُنقذ أبناءه لا يمكن أن يُنقذ وطنًا بأكمله
الرهان الحقيقي ليس على عدد المدارس التي نفتحها ولا على تغيير شكل الامتحان بل على ما يحدث داخل الفصل وبين المعلم والطالب.
فإما أن نمتلك شجاعة إصلاح التعليم من الجذور ونضع الإنسان في قلب المنظومة
أو نواصل الدوران في حلقة مفرغة ونسأل بعد سنوات لماذا تأخرنا
مصر لا ينقصها أبناء أذكياء بل منظومة تؤمن بهم.
والتعليم ليس بندًا في الموازنة بل قدر وطن.
ومن دون إنقاذ التعليم لن تنهض مصر مهما حاولت.