الحسيني الكارم يكتب: ظاهرة "الصُوَّب السياسية"

مقالات الرأي

 الحسيني الكارم
الحسيني الكارم

لفت انتباهي مؤخرًا مصطلح «الصُوَّب السياسية» الذي استخدمته إحدى الزميلات الصحفيات، وهو توصيف دقيق ومعبّر يستحق التوقف عنده.

فالصوبة في الأصل اختراع زراعي لإنتاج الفاكهة والخضروات خارج مواسمها الطبيعية، عبر التحكم في الحرارة والرطوبة والإضاءة، أي خلق بيئة مصطنعة تُسرّع النمو وتغيّر المكان والزمان، من قبلي إلى بحري، دون اعتبار للفروق الطبيعية.

وعندما نذهب لشراء الخضار، كثيرًا ما يقول لنا البائع: «دي صوب وده طبيعي».

وغالبًا نفضّل الطبيعي، ونتجنب المنتج سريع التحضير، لأن الفارق واضح في الطعم والتركيب، وحتى في الملامح الظاهرة والباطنة.

هنا يمكن إسقاط الفكرة على السياسة.

فكما توجد زراعة بالصوب، توجد أيضًا «صناعة سياسيين بالصوب». سياسي سريع التحضير يظهر فجأة خلال عامين أو ثلاثة، بلا تراكم خبرة أو وعي حقيقي، ثم نجده في مجلس نيابي، أو مجلس محلي، أو موقع تنفيذي، أو حتى داخل دواوين المحافظات والوزارات.

الفرق الجوهري، يا سادة، هو بين: سياسي مُعد بعناية، عبر سنوات من التعلم والممارسة والفهم، يعرف متى يصمت ومتى يتكلم، وكيف يوازن بين الممكن والمطلوب، ويرتب الأولويات بحكمة، وبين سياسي سريع التجهيز، خرج من صوبة سياسية، قابل للتشكيل، سهل النقل من قبلي لبحري والعكس، بلا جذور ولا موقف، وغالبًا لا يقول «لا».

السياسي الطبيعي نتاج بيئة حقيقية، وتفاعل اجتماعي، وتجربة ممتدة، أما السياسي الصوب، فهو نتاج استعجال، وصناعة وقتية، قد تملأ الفراغ سريعًا، لكنها تفتقد القيمة الغذائية الحقيقية للحياة السياسية.

والسؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم: “هل نريد سياسة طبيعية تنمو ببطء لكنها صلبة، أم نكتفي بصوب سياسية تُنتج مشهدًا سريعًا هشًّا؟”

الزمن وحده كفيل بالإجابة، لكن التجارب تقول إن ما يُزرع طبيعيًا، يعيش أطول.