أسماء عبدالعظيم تكتب: حين يسأل المواطن.. هل تراني الدولة حقًا؟

مقالات الرأي

🖊️ بقلم ـ أسماء
🖊️ بقلم ـ أسماء عبد العظيم

هل يشعر المواطن أن الدولة تراه فعلًا؟ سؤال يبدو بسيطًا في كلماته، لكنه في الحقيقة امتحان قاسٍ لضمير أي دولة، لأنه لا يُقاس بالأرقام ولا بالتصريحات، بل يُقاس بنظرة أم في الصعيد تقف على باب مستشفى تنتظر سريرًا لابنها، وبمشوار مواطن يخرج من بيته قبل الفجر ليبحث عن خدمة في مصلحة حكومية، وبقلب رجل بسيط يحاول أن يحمي بيته من موجات الغلاء ويخاف أن يعجز يومًا عن تلبية احتياجات أولاده. هل تراه الدولة وهو يسير في طرق جديدة جميلة بينما داخله يسأل: هل الطريق أهم أم أن أشعر أنني شريك في الحياة التي تمر فوق هذا الأسفلت؟ هل تراه وهو يسمع عن مشروعات عملاقة بينما حياته اليومية ما زالت تحتاج لمسة دفء إنساني، وإحساس حقيقي بأن الدولة لا تعمل بعيدًا عنه، بل من أجله؟

في الصعيد مثلًا، تُكتب آلاف التقارير عن التنمية، لكن الصورة الأصدق موجودة في عيون أهل القرى، في قرية تفتقد طبيبًا مقيمًا أو مستشفى مجهزًا، في قرية أخرى ما زالت تتعامل مع مرض مزمن كأنه قدر لا يُقاوم، وفي مدينة كاملة يسافر أهلها إلى محافظة أخرى كي يجدوا خدمة صحية تحترم إنسانيتهم. العدالة التنموية ليست كلامًا ولا صيغًا رسمية، العدالة هي أن يشعر أهل الجنوب أن نصيبهم من الوطن ليس وعدًا مؤجلًا، وليس منحة تُذكر عند اللزوم، بل حق أصيل مثل حق أهل العاصمة تمامًا. ماذا يعني أن تبني الدولة عشرات الكباري إن لم تُصلِح العلاقة بينها وبين المواطن فوق هذا الكوبرى؟ وماذا يفيد المبنى الضخم إذا كان بداخله موظف لا يرى إلا ورقة لا يرى صاحبها؟

الدولة تراه حين تُبسّط الإجراءات بدل أن ترهقه، حين يدخل المصلحة فلا يشعر أنه متهم يحتاج إثبات براءته، بل مواطن له حق وخدمة ورسالة، تراه الدولة حين تحترم وقته فلا تتركه تحت رحمة طوابير لا تنتهي، تراه حين يكون الموظف مدربًا، إنسانيًا، مؤهلًا لأن يفهم أن المواطن ليس عبئًا… بل هو الدولة نفسها. الدولة تراه حين تفهم أن التعليم ليس كتابًا وطابور طابونة، بل هو كرامة جيل كامل يريد فرصة، يريد مدرسة تشبه المستقبل لا الماضي، يريد نظامًا يؤمن بعقله لا يحاصره. وتراه أكثر حين تُصارحه، حين لا تزين الواقع بألوان زائفة، وحين تقول الحقيقة كما هي، لأن الشعوب لا تغضب من الحقيقة بقدر ما تغضب من الشعور بأن أحدًا يستخف بوعيها.

نعم هناك مشروعات، نعم هناك جهد ضخم، نعم الدولة تعمل… لكن المُهم ليس فقط أن تعمل، بل أن يصل أثر هذا العمل إلى قلب المواطن وروحه. أن يشعر أن صوته يُسمع حين يشتكي، وأن شكواه ليست مجرد ورقة تحال إلى مكتب ثم تُدفن في درج. أن يشعر أن الدولة لا تظهر فقط في المناسبات والخطب، بل تظهر في تفاصيل يومه: في مستشفى نظيف، في مدرسة محترمة، في شارع آمن، في موظف مبتسم، في قرار عادل، في فرصة حقيقية للحياة.

الرسالة بسيطة لكنها عميقة: المواطن لا يريد دولة معجزة، لكنه يريد دولة صادقة، عادلة، قريبة، يشعر معها أنه ليس invisible… ليس ظلًا يمشي بين الجدران، بل إنسان له قيمة وله مكان وله احترام. المواطن يريد دولة تقول له بالفعل: أنا شايفاك… بفهمك… وبشتغل علشانك.

والخاتمة التي يجب ألا نخجل من قولها… أن الأوطان لا تُبنى بالمشروعات وحدها، بل تُبنى حين يشعر المواطن أن قلب الدولة ينبض له، حين يشعر أن الدولة لا ترفع شعار “بنبني بلد” فقط، بل ترفع معه إنسانه وكرامته وقيمته. حينها فقط، سيقف المواطن ويقول بصدق: نعم… هذه دولة تراني حقًا… وهذه دولة أضع قلبي معها بلا خوف.