الصحة النفسية… معركة العصر الخفية التي لا نرى جراحها

الصحة النفسية… معركة العصر الخفية التي لا نرى جراحها

منوعات

بوابة الفجر

في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتداخل الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والتقنية، باتت الصحة النفسية محورًا أساسيًا في نقاشات الخبراء وصناع السياسات، بعدما أثبتت الأرقام أن الاضطرابات النفسية لم تعد حالات فردية أو طارئة، بل ظاهرة عالمية آخذة في الانتشار، تمسّ مختلف الفئات العمرية دون استثناء.

أزمة صامتة تتضخم والأرقام تتحدث

تشير تقارير منظمات الصحة العالمية إلى أن واحدًا من كل ثمانية أشخاص يعاني شكلًا من أشكال الاضطرابات النفسية، تتراوح بين القلق والاكتئاب واضطرابات النوم والتوتر المزمن واضطرابات ما بعد الصدمة. 

ورغم انتشار هذه الحالات، ما تزال نسبة كبيرة من المصابين تحجم عن طلب المساعدة، إما خوفًا من وصمة المجتمع أو جهلًا بأهمية العلاج.

وتؤكد دراسات حديثة أن التأخر في علاج المشكلات النفسية لا يفاقم الأعراض فحسب، بل يؤدي إلى انعكاسات اجتماعية ومهنية خطيرة، تشمل تراجع القدرة على الإنتاج، وارتفاع نسب الغياب في أماكن العمل، وتدهور العلاقات الأسرية، بل وازدياد حالات الإيذاء الذاتي في الحالات القصوى.

<strong>الصحة النفسية… معركة العصر الخفية التي لا نرى جراحها</strong>
الصحة النفسية… معركة العصر الخفية التي لا نرى جراحها

ضغوط الحياة… وسائل التواصل في قفص الاتهام

لم تعد الضغوط اليومية وحدها سببًا للأمراض النفسية؛ فقد أصبح العالم الرقمي جزءًا من المعادلة. 

وتشير عدة أبحاث إلى أن الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي قد يؤدي إلى شعور متزايد بالمقارنة الاجتماعية والإحباط والعزلة.

 فبينما تبدو حياة الآخرين على الشاشات مثالية ومليئة بالإنجازات، يشعر الفرد أن ما يعيشه أقل قيمة أو أهمية، ما يعزز الإحساس بالفشل وعدم الرضا.

ويحذر اختصاصيون من أن التعرض المستمر للأخبار السلبية سواء كانت أزمات سياسية أو كوارث طبيعية أو جرائم يُسهم بدوره في زيادة مستويات التوتر والقلق الجمعي.

الصحة النفسية في العالم العربي تحديات مضاعفة

في المجتمعات العربية، تزداد التحديات تعقيدًا، إذ تعيش بعض الدول تحت وطأة أزمات اقتصادية وسياسية تؤثر مباشرة على الاستقرار النفسي للمواطن. 

كما لا تزال الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاضطرابات النفسية عائقًا حقيقيًا أمام طلب العلاج.

ويرى متخصصون أن غياب ثقافة الدعم النفسي داخل المؤسسات التعليمية والعملية يزيد من حدة المشكلة. 

فالكثير من الطلبة والموظفين يعانون من ضغوط هائلة، دون أن تتوفر لهم بيئة تشجعهم على الإفصاح أو الحصول على استشارة مهنية.

شهادات من الواقع قصص خلف الروتين اليومي

خلف أبواب المكاتب والبيوت قصص لا تُروى هناك شاب جامعي فقد شغفه بالدراسة نتيجة ضغوط أسرية وتعليقات محبطة.
وأم عاملة تحاول المواءمة بين مسؤولياتها المهنية وتربية أطفالها، فتجد نفسها منهكة نفسيًا وموظف في منتصف العمر يعيش صراعًا مع القلق المزمن خوفًا من فقدان وظيفته.

هذه الحالات على اختلافها تعكس حقيقة واحدة: أن الصحة النفسية ليست رفاهية، بل ضرورة لاستمرار الحياة بشكل صحي ومتوازن.

العلاج متاح لكن الوعي هو المفتاح

يؤكد الخبراء أن العلاج النفسي اليوم بات أكثر تقدمًا وفعالية، إذ تتنوع الخيارات بين العلاج السلوكي المعرفي، والعلاج الدوائي عند الحاجة، إضافة إلى جلسات الدعم الجماعي وممارسات التأمل واليقظة الذهنية.
لكن يبقى الوعي هو الحلقة الأهم، فالإدراك المبكر للمشكلة والاستعداد لطلب المساعدة يجنبان الفرد الكثير من المضاعفات.

كما تشدد منظمات الصحة العالمية على ضرورة دمج خدمات الدعم النفسي في المؤسسات التعليمية ومراكز الرعاية الصحية الأولية، لتسهيل الوصول للعلاج وتقليل الوصمة الاجتماعية.

خطوات بسيطة لتعزيز الصحة النفسية يوميًا

  1. النوم المنتظم وتحسين جودة الراحة.
  2. ممارسة الرياضة ولو لمدة 20 دقيقة يوميًا.
  3. تقليل الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي وإعادة تنظيم العادات الرقمية.
  4. التواصل الاجتماعي الحقيقي مع العائلة والأصدقاء.
  5. طلب المساعدة المهنية عند الشعور بأن الأعراض تزداد أو تعيق الحياة اليومية.

صحة لا تقل أهمية عن البدنية

لقد علمتنا السنوات الأخيرة،خصوصًا في ظل الضغوط العالمية المتصاعدة أن الإنسان كيان واحد، وأن الصحة النفسية ليست منفصلة عن الصحة الجسدية، بل تؤثر فيها وتتأثر بها.
وبينما تتطور مجتمعاتنا وتزداد المسؤوليات، تبرز الحاجة الملحّة إلى بناء ثقافة جديدة تدعم التوازن النفسي، وتشجع على طلب العون دون خوف أو تردد.

إن الاعتراف بالمشكلة نصف الحل أما النصف الآخر فهو البدء بخطوة صغيرة نحو حياة أكثر هدوءًا واتزانًا.