مناورات كلامية تحوَّلت إلى مواجهة مفتوحة

هل نحن على أعتاب حرب باردة جديدة؟.. بين القبة الذهبية الأمريكية وتحديات الروس

تقارير وحوارات

بوابة الفجر

في منتصف القرن المنصرم، انقسم العالم إلى معسكرين متنازعين، أحدهما تقوده الولايات المتحدة والآخر الاتحاد السوفيتي، في صراع لم يُطلق فيه الرصاص بقدر ما اشتعلت فيه العقول والسياسات؛ صراع سُمّي بـ "الحرب الباردة"، امتد لعقود بين سباق تسلح نووي وحروب بالوكالة ومعارك نفوذ أيديولوجي واقتصادي غيّرت وجه العالم. ومع أن سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991 بدا وكأنه نهاية لتلك المرحلة المتوترة، فإن مؤشرات السنوات الأخيرة - من سباق التسلح في الفضاء إلى مشاريع الدفاع الصاروخي الجديدة - تُعيد إلى الواجهة السؤال القديم بصيغة أكثر حداثة: هل نحن على أعتاب حرب باردة جديدة؟

حسب ما تم إعلانه منذ ساعات، لم يعد الصراع بين الولايات المتحدة وروسيا يدور حول من يمتلك الصاروخ الأسرع أو القنبلة الأشد تدميرًا، بل انتقل إلى ساحة جديدة تمامًا: من يسيطر على السماء وما وراءها. فإعلان واشنطن مؤخرًا عن مشروعها الدفاعي الجديد، المعروف باسم "القبة الذهبية"، مثّل نقطة تحول استراتيجية أعادت إلى الأذهان أجواء “حرب النجوم” في ثمانينيات القرن الماضي، وأطلقت جدلًا واسعًا حول احتمالية اندلاع حرب باردة جديدة ولكن هذه المرة بامتداد فضائي.

ترامب يُعلن عن تمويل بـ 25 مليار دولار لمشروع «القبة الذهبية»
القبة الذهبية

مشروع “درع مطلق” 

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال إعلانه عن المشروع، وصفه بأنه “درع مطلق” قادر على حماية الولايات المتحدة من أي هجوم صاروخي أو نووي محتمل. إلا أن موسكو لم ترَ في “القبة الذهبية” مجرد نظام دفاعي، بل مظلة سياسية واستراتيجية تهدف إلى إعادة رسم موازين القوى العالمية عبر السيطرة على المدار الأرضي وما بعده.

 من التحذيرات إلى المواجهة الكلامية

رأت روسيا في المشروع الأمريكي تهديدًا مباشرًا لمبدأ الردع النووي العالمي. المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أكدت أن “القبة الذهبية” تمثل “إخلالًا خطيرًا بتوازن الردع وتقويضًا لمفهوم الأمن المتبادل”، مشيرة إلى أن واشنطن تسعى من خلالها لتوسيع نطاق هيمنتها على المنظومات الدفاعية الاستراتيجية.

أما نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، فذهب أبعد من ذلك حين وصف المشروع بأنه “طريق مباشر إلى عسكرة الفضاء”، محذرًا من أن موسكو سترد بخطوات استراتيجية “يصعب التنبؤ بعواقبها”. وفي المقابل، حاولت الولايات المتحدة تهدئة الموقف بالتأكيد على أن المشروع دفاعي بحت، إلا أن لغة الخطاب الروسي تحولت تدريجيًا من الحذر إلى المواجهة، خصوصًا مع تصاعد الحرب في أوكرانيا.

هل يفتح صاروخ "بوريفستنيك" فصلًا جديدًا في المواجهة بين روسيا والغرب؟ | إرم نيوز
بوريفستنيك

“بوريفستنيك”.. الرد الروسي على “القبة الذهبية”

لم تصمت موسكو كعادتها، فتفاخرت بسلاحها الثقيل والمبهر للبصريات، فقامت بالرد العملي على المشروع الأمريكي عبر استعراض ترسانتها من الصواريخ المجنحة بعيدة المدى، وعلى رأسها الصاروخ النووي “بوريفستنيك”، الذي يتميز بمدى غير محدود وقدرة على التحليق المنخفض تجعل اعتراضه شبه مستحيل. واعتبرت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية أن “بوريفستنيك” يمثل التهديد الأكبر لمشروع “القبة الذهبية”، لأنه يتجاوز قدرات المنظومة على اعتراض الصواريخ الباليستية.

كما أصدرت روسيا والصين في مايو 2025 بيانًا مشتركًا أدانتا فيه “محاولات الولايات المتحدة تحويل الفضاء إلى ساحة مواجهة عسكرية”، مؤكدتين تمسكهما بمبدأ الأمن الجماعي وعدم عسكرة الفضاء الخارجي.

مفاوضات الحد من التسلح: عودة الحديث بلغة الحرب القديمة

يرى المسؤول الأمريكي السابق في وزارة الدفاع برنت سادلر أن موسكو تستخدم انتقاداتها للمشروع الأمريكي كورقة تفاوضية “لدفع واشنطن إلى تخفيف الضغوط السياسية والعسكرية عليها”، مشيرًا إلى أن أي مفاوضات جادة للحد من التسلح “لن تتم إلا بعد وقف إطلاق النار في أوكرانيا، مع ضرورة إشراك الصين لضمان توازن دولي حقيقي”.

وأضاف سادلر أن واشنطن مطالَبة بالاستمرار في فرض عقوبات اقتصادية صارمة على الدول التي تساعد موسكو في الالتفاف على القيود الغربية، وعلى رأسها الصين والهند، داعيًا إلى مواصلة تزويد أوكرانيا بأسلحة بعيدة المدى لرفع كلفة الحرب على روسيا وإجبارها على التفاوض من موقع أضعف.

سباق تسلح جديد يلوح في الأفق

في المقابل،  هناك معلومات تتناقلها وسائل إعلام عربية وعالمية، أن “مشروع القبة الذهبية يعيد فتح أبواب سباق التسلح من جديد، ليس فقط في الجبهة الأوكرانية بل على مستوى استراتيجي أوسع يشمل الفضاء نفسه”. ويضيف أن “الكرملين يرى في هذا المشروع استمرارًا للنهج الأمريكي القائم على استعراض القوة والهيمنة، ومحاولة لفرض الإرادة الأمريكية على العالم”.

حسب هذه المعلومات، فإنَّ المشروع الجديد يشبه “حرب النجوم” الشهيرة، لكنه يختلف من حيث التوقيت والدوافع، إذ يأتي في مرحلة اضطراب عالمي وتغير في موازين القوى. ورغم تفوق واشنطن التكنولوجي، تمتلك موسكو ترسانة صاروخية قادرة على تحقيق التوازن الاستراتيجي، من بينها الصواريخ النووية العابرة للقارات والأسلحة فرط الصوتية.

مناورة روسية أم مواجهة مفتوحة؟

أطلقت روسيا، عقب إعلان ترامب، مناورات استراتيجية كبرى شملت تجارب لصواريخ جديدة مثل “بوريشينك”، القادر على التحليق لساعات طويلة، مؤكدة أن أي منظومة دفاعية أمريكية لن تكون قادرة على اعتراضه. وأوضح أيوب أن “روسيا ما زالت قوة نووية عظمى تحتفظ بتوازن الردع الذي يضمن لها البقاء في مواجهة أي حرب شاملة”.

 ويرى خبراء، أنَّ الولايات المتحدة تخاطر بإشعال سباق تسلح فضائي قد يتطور إلى مواجهة مباشرة، مشيرًا إلى أن “القبة الذهبية تكشف عن وجه جديد من السياسات الأمريكية التي تسعى للانفراد بالقرار الدولي وتوسيع النفوذ تحت شعار الحماية”.

ارتداء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الزي العسكري 
ارتداء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الزي العسكري 

ويتابعون أن ارتداء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الزي العسكري مؤخرًا كان “رسالة رمزية قوية لواشنطن” مفادها أن موسكو مستعدة لكل السيناريوهات، وأن “المرحلة الحالية تمثل حربًا باردة فاترة قد تتحول إلى مواجهة مفتوحة” إذا استمرت الولايات المتحدة في التصعيد.

يبدو أن العالم اليوم أمام نسخة محدثة من الحرب الباردة، لكن هذه المرة ليست في سباق على الأرض بل في صراع على الفضاء، حيث أصبحت التكنولوجيا والدرع الفضائي والصاروخ الأسرع هي أدوات النفوذ الجديدة. وبين واشنطن التي تريد “مظلّة ذهبية” تقيها الأخطار، وموسكو التي ترى فيها تهديدًا وجوديًا، يقف العالم مترقبًا لمرحلة قد تعيد رسم النظام الدولي برمته.