حازم الكاديكي يكتب: بنغازي لا تُؤكل.. بل تُدرّس
أن تجهل أمرًا فتلك زلّة أما أن تجهل تاريخ وطن فتلك خيانة لذاكرة الشعوب وأرواح الأجداد وأمانة الأجيال القادمة
لقد شهد مهرجان الإعلام العربي المنعقد في بنغازي سقطة مؤلمة لم تكن في برنامج الفعاليات ولا ضمن فقرات الحفل لكنها كانت أقسى من أي عرض هزيل وأسوأ من أي إخراج فني ركيك سقطة كشفت ما هو أخطر من رداءة التنظيم وضعف المحتوى إنها سقطة الوعي وانحدار المعرفة واستخفاف مؤلم بتاريخ مدينة بحجم بنغازي وبلاد بحجم ليبيا كلها.
الإعلامي المصري المعروف محمود سعد الذي له تاريخه المهني وإسهاماته الإعلامية وقع في مستنقع الاستسهال والاستخفاف حين وصف بنغازي في إحدى حلقاته على حسابه الرسمي بأنها مجرد طنجرة فاصوليا لم تكن حاضرة في جلسة سمر عابرة بل سعى بنفسه للبحث عن محل شهير في بنغازي يقدم سندويشات الفاصوليا صباحًا وركّز على هذا التفصيل البسيط متغافلًا بجهل مؤسف عن تاريخ مدينة عريقة وحضارة ضاربة في الجذور عن بنغازي التي لا تختزل في وجبة بل تروى كفصل خالد من ذاكرة ليبيا المجيدة وكأن المدينة لم تكن يومًا درة المتوسط ولا مهد حضارات ولا أرض أساطير ولا منارة علم وثقافة
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
لكننا إذ نلوم الإعلامي محمود سعد على هذا الخطأ المعيب في حق مدينة كاملة فإننا نضع اللوم الأثقل على عاتق من استضافوه من المنظمين وأصحاب الدعوة من سمحوا لمن لا يعرف أن يتحدث باسم من يعرف ومن تركوا على منصات مهرجانهم أصواتًا خاوية تسرد التاريخ بعين الطبخات لا بعين الوثائق والمدونات
جهل المنظمين بتاريخ بلادهم عار مضاعف فحين لا يُقدّم تاريخ بنغازي كما يجب ولا يُروى للضيوف كما يليق فإن الإساءة لا تكون من الضيف وحده بل من المضيف الذي قصّر وفرّط وخذل مدينته ووطنه
فكيف لمدينة مثل بنغازي التي حملت على أكتافها أعمدة التاريخ الإغريقي والروماني والإسلامي أن تختزل في طنجرة فاصوليا كيف لمدينة أنشأها الإغريق باسم يوسبيريديس والتي تعني حدائق التفاح الذهبي أن تُختصر في وجبة عشاء عابرة كيف لبرنيق وبرقة وسيرينيكا وقورينا وميناء أبولونيا أن تُنسى من قاموس المهرجان ويتقدّم بدلًا عنها البخار والمرق
أي جهل هذا وأي استخفاف بالذاكرة الجمعية لأي إعلام نحتفي إن لم يكن يحفظ للمدن شرفها وللأوطان قدرها
إن بنغازي التي نقلت عبر تلفزيونها العربي والأفريقي الوحيد في ستينات القرن الماضي رحلة أبوللو 11 إلى القمر وبثت مباريات محمد علي كلاي على الهواء حين لم تكن أوروبا كلها قد ربطت بالكابل البحري مع إفريقيا لا يمكن أن تكون اليوم مدينة بلا تاريخ ولا ذاكرة
إن مدينة كانت سبّاقة في نقل الحدث وسباقة في الإنتاج الدرامي والإذاعي والثقافي لا يليق بها أن يتولى التعريف بها من يجهلها أو يتعامى عن إرثها وفضلها وتاريخها
كان الأولى أن يُقدَّم للضيف كتاب عن بنغازي لا طبق فاصوليا كان الأولى أن يُسمَع من أعلامها لا من صانعي المحتوى الطارئ كان الأولى أن يُروى للضيوف عن الصادق النيهوم لا عن أسماء لا تزن وزن حروفها
من حق محمود سعد أن يُلام ومن حقنا أن نعذره لو أننا وجدنا المنظمين في موضع يليق لكننا أمام منظومة تجهل ما تنظم وتستضيف من لا يعرف وتترك الميكروفونات لمن لا يفرق بين بنغازي ومدينة سياحية عابرة
أن تجهل أمرًا فتلك زلة أما أن تجهل تاريخ وطن فتلك خيانة لذاكرة شعب
إن بنغازي التي خرجت من حضارات الإغريق إلى العصر البطلمي ثم إلى الحكم الروماني ثم إلى البيزنطي ثم إلى الإسلام ثم إلى العثمانيين ثم إلى مقاومة الاستعمار الإيطالي ثم إلى ثورات الاستقلال ثم إلى ثورة فبراير لا يمكن أن تُعرَّف بطبق طعام بل بسجل أمة
تلك المدينة التي أخرجت أول دراما تلفزيونية في قناة 5 وسجلت سبقًا في نقل المباريات الدولية في الستينات وبثت أغانيها عبر إذاعة BBC وكان فيها مصطفى رمضان وعبد الفتاح الوسيع من أبرز مذيعي الوطن العربي لا يجوز أن تغيب هويتها في مهرجان إعلامي يقام على أرضها
إننا نعيش اليوم في زمن فقد فيه بعض الإعلاميين مسؤوليتهم التاريخية وبعض المنظمين وطنيتهم الثقافية فصرنا نرى الاحتفالات تنعقد بلا مضمون والضيوف يُكرَّمون بلا سبب والحوارات تُدار بلا معرفة
ليبيا ليست فاصوليا ولا بنغازي قدرها أن تكون صحنًا على طاولة مهرجان عابر بل هي مدينة الحضارات والدماء والتضحيات مدينة النضال والثقافة والمقاومة والعلم والشهداء والأبطال
من سيدي خريبيش إلى سيدي عبيد إلى مقبرة شهداء الجوازي إلى جامع الحدادة إلى مبنى البلدية إلى قصور البركة إلى بيوت العائلات العريقة إلى شوارع امتلأت بحكايات المقاومين إلى أزقة شهدت ميلاد أحزاب وصحف ورموز كانت بنغازي دومًا مدينة تتكلم التاريخ وتكتبه لا تستهلكه ولا تختصره
فيا استاذ محمود سعد ويا من دعاك ويا من استقبلك ويا من لم يعرّفك نقول
بنغازي ليست (حَلَّة) طنجرة فاصوليا بل ذاكرة وطن
وإذا لم تكن تعرفها اليوم فاعذرها فإنها كانت دومًا فوق مستوى من لا يقرأ
كان الأولى على من ينظم حدثًا لتعريف العالم بمدينة مثل بنغازي أن يبدأ من حيث يبدأ التاريخ لا من حيث تُختزل الصورة وأن يُروى للضيوف كيف صمدت هذه المدينة حين تكسّر كل شيء من حولها كيف وقفت بنغازي على حافة الهاوية ثم انتصرت كيف قاومت نيابة عن العالم حربًا ضروسًا لم تكن معركة جغرافيا بل معركة وجود وهُوية وفي قلب كل هذا التاريخ الناصع لا يمكن أن تُكتب بنغازي دون أن تُذكر ملامح الحرب المقدسة التي خاضها أبناؤها بشجاعة نادرة عندما تخلّى العالم عن مسؤولياته وتواطأ الصمت الدولي مع سواد الإرهاب كان هناك رجال يقفون وحدهم في مهب الريح رجال حملوا الوطن على أكتافهم دون انتظار لمنّة أو دعم رجال آمنوا أن بنغازي لا تسقط ولو انطفأت الدنيا من حولها فكان الجيش الليبي هو السد الأخير واليد التي لم ترتجف في مواجهة وحوش الظلام بقيادة القائد العام المشير خليفة حفتر الذي اختار أن يكون في الصفوف الأولى حين ترددت الجموع وقاد معركة لا تشبه إلا معارك التاريخ الخالد من بوهديمة التي اشتعلت فيها شرارة الصد الأول إلى الليثي التي نزفت حتى كتبت اسمها بدم الشهداء إلى الصابري العصية التي قاومت كل ألم ورفضت أن تُدجّن أو تُكسر من سوق الحوت إلى وسط البلاد من بوعطني إلى القوارشة من المساكن إلى العمارات كل حجر في بنغازي صرخ بالحق وكل زنقة كانت جبهة وكل شارع دوّى بنداء الكرامة حتى أصبحت المدينة برمّتها كتابًا مفتوحًا يروي كيف قاتلت بنغازي نيابة عن العالم وكيف ساند أبناءها الجيش في ملحمة كتبت بالعظم والنار وبأنفاس الجرحى وصبر الأمهات كل بيت كان خندقًا كل شاب كان مشروع شهيد كل حارة كانت دربًا نحو النصر كل صرخة كانت مقاومة فهنا لا تُروى الحرب كحدث بل كميلاد جديد لمدينة رفضت الانكسار وصنعت بدمها مجدًا لا يُمحى ومن مرتفعات الرجمة كانت البداية حيث ارتفعت الكرامة قبل أن ترفع البنادق ومن هناك انطلقت شرارة المجد التي لم تخبُ من بنينا إلى بوعطني كانت الأرض تصرخ وتقاوم وكان رجال الجيش الليبي يسطرون على ترابها حكاية وطن يُستعاد بالدم والإيمان وكان في مقدمة الركب رجال لا يُشبهون إلا الأساطير رجال حملوا أرواحهم على أكفهم ومضوا دون تردد القائد البطل الشهيد سليمان عبدالقادر الكاديكي قائد المدرعات الذي مضى بثبات كمن يعرف أن النصر يحتاج ثمنًا غاليًا ورفيقه في المجد القائد الراحل ونيس بوخمادة أسد الصاعقة الذي لم يعرف الخوف ولم ينحنِ يومًا إلا لجنازات رفاقه وكأنهما معًا شكّلا ضوءًا يهدي الطريق في عز العتمة وفي كل محور وكل شارع من بنغازي كان هناك بطل لا تعرفه الكاميرات لكن تعرفه الأرض والسماء كان هناك شهيد يسير على قدميه إلى المجد ويدفع عن المدينة وجع الخيانة والخذلان كان هناك أبناء من بنغازي وآخرون من كل ربوع ليبيا اتحدوا تحت راية الكرامة فصنعوا للمدينة ملحمة لا يجرؤ التاريخ على نسيانها وما أعظم أن يُقال للعالم إن من أنقذ بنغازي هم رجال ولدوا فيها أو جاؤوها بإيمان لا بمرتبات ولا صور ولا ضجيج إعلامي رجال الجيش الليبي الذين حملوا قلوبهم في بنادقهم ورفعوا رؤوس الليبيين عاليًا حين كان كل شيء ينحني رجال كان لا بد أن يُسلّط عليهم الضوء لا ترفًا بل واجبًا لأن من لا يعرف أبطاله لا يعرف كيف يحفظ وطنه
ومن مربع زيتونه في الليثي كانت بعض من أولى شرارات المواجهة الكبرى حيث ارتفع صوت الرصاص وارتفعت معه كرامة مدينة رفضت الاستسلام في تلك المربعات والزواريب الضيقة بدأت بنغازي تسجل أول سطور ملحمتها ومن هناك تهاوى أول جدار من جدران الظلام ليكون الليثي شاهدًا على بداية الطريق نحو النصر
وفي قلب هذه المعارك برزت أسماء أبطال ستظل محفورة في ذاكرة المدينة والوطن من بينهم الشهيد البطل سالم عفريت الجندي الذي لم يكن يحمل فقط سلاحه بل حمل ثأرًا إنسانيًا وألمًا شخصيًا عميقًا بعد أن قطع الإرهابيون رأس والده أمام عينيه لم يصرخ لم يتراجع بل مضى إلى ميدان القتال بثبات لا يشبه إلا بطولة الأساطير ليُعيد إلى اسم عائلته شرفه بدمه ويُسجل اسمه في قائمة الرجال الذين قاتلوا لا طلبًا للثأر بل حمايةً للوطن
وختامًا لا يسعني إلا أن أقول بكل وجع عاشق لوطنه ليبيا أن يُختزل تاريخ عريق وحضارة شامخة لمدينة مثل بنغازي في أكلة عابرة وأن يصدر أشباه إعلاميين وأصوات خاوية تصوغ صورة مشوهة لوطن أبطال وأمهات ثكلى وشباب لم يعرفوا الخوف هذا هو الجرح الذي ينزف في قلب كل ليبي كل يوم كل ساعة ولكن رغم كل هذا الألم تبقى بنغازي صامدة شامخة رمزًا للكرامة والبطولة والإرادة التي لا تُقهر.