أبانا الذي في جهاز العبور.. لتكن مشيئتك يا أملنا الوحيد

ركن القراء

فاطمة قنديل
فاطمة قنديل

فاطمة قنديل

إلى المهندس تامر جبر؛ الرئيس الجديد لجهاز تنمية مدينة العبور، والذي تولىَ المهمة قبل أيام، أولا... نرحب بك، ونسأل الله أن يوفقك ويعينك ويسدد خطاك في مهمتك الجديدة.

ثانيا... أتوجه إليك بكتابي هذا بصفتي أحد سكان مدينة العبور، قبل صفتي الصحفية، كما أتحدث بلسان حال جميع سكانها، بعدما ضاقت بنا السُبل، وتَشرذم أملنا في استعادة الحياة والأمان لهذه المدينة البائسة، والتي انتقلت إليها وأنا طفلة، رغبة من أسرتي في معيشة هادئة هانئة، بعيدًا عن الزحام والتلوث، بحثًا عن الراحة والأمان، في المدينة الجميلة بخضرتها الشاسعة، الرائعة بتصميمها وتقسيماتها، في حبها تحملت من العناء ما لا يتحمله الانسان العادي، بسبب بُعدها عن كل شئ، سواء الدراسة أو العمل، يوميًا كنت أخرج منها متوجهة نحو الجيزة أو الدقي أو المهندسين، وأقرب مكان كنت أذهب إليه هو وسط القاهرة، نصف عمري تقريبًا قضيته في الطريق من وإلى دراستي أو عملي، لكن كل ذلك كان يهون، في سبيل أنني نهاية كل يوم أعود إلى مدينتنا الهادئة، الراقية، النظيفة، الآمنة، ولست أنا فحسب، بل الكثيرون من سكان العبور كذلك.

لم تكن مدينة العبور مجرد منطقة سكنية وحسب، بل مدينة كاملة متكاملة، سكنيًا وتجاريًا وصناعيًا، غنية بمواردها، ثرية بفرص التنمية والاستثمار، جاذبة للكل، سواء للسكن أو الاستثمار في شتى المجالات، ومنها التعليم، الذي جعلها خيارًا أول لانتقال الأسر إليها.

ظلت هذه المدينة التي أنشأت قبل أربعة عقود ونيف؛ تحتكر لقب "عروس المدن الجديدة"، لجمالها وتميزها، حتى جاءها قبل ثلاثة سنوات فقط من حولها إلى "أرملة المدن الجديدة"، وهو المهندس أحمد رشاد؛ رئيس الجهاز السابق، وطيلة عملي في الصحافة وفي جميع التخصصات كنا دائمًا نستعرض التجارب الناجحة في الإصلاح والتنمية والتطوير، ما كنت أتصور يومًا أن أكون شاهدة على تجربة السقوط في بئر الفشل، فَالمهندس "رشاد" أتىَ بما لم يستطعه الأوائل، بحيث كان رائدًا لتجربة هى الأولى من نوعها، وهى تحويل شئ ناجح، إلى فاشل بامتياز.

أصبحت مدينتنا عشوائية... بائعة جائلين في كل مكان، يفترشون الأرض ويفرضون علينا القُبح والعشوائية والتلوث، قمامة في الشوارع أكثر من البشر، نباشين ولصوص، متسولون يرفعون شعار "البلطجة هى الحل"، مشردون بعضهم فاقدي الأهلية، يشكلون خطرًا على الكبار قبل الأطفال، تم اغتصاب أهم ما يميز مدينتنا وهو المساحات الخضراء، بحيث تم إزالة الأشجار، واستبدالها باللوحات الإعلانية، وكأن ذلك هو السبيل الوحيد للموارد في مدينة تضج بفرص الاستثمار والتنمية، تم تجريف كل شئ جميل فيها، مكبرات صوت غزت المدينة، بحيث كل "بلطجي" عاطل عن العمل؛ جاء العبور، بدلآ من أن يرتقي بذاته، اتخذ قرارًا بازعاج سكانها، دون أدنى وَرَع من دولة القانون، فَقرر أن ينقل إلينا تجربته في العشوائيات، ويفرضها علينا، وفي سياق متصل فساد بعض موظفي الجهاز في مخالفات البناء والإشغالات وغيرها، ومشكلات أخرى كثيرة يمكنك حصرها بسهولة وبساطة، إذا تابعت مجموعات مدينة العبور على موقع "فيس بوك" أو إذا تفقدتها بنفسك، سَترىَ سلبيات أكثر بكثير مما ذكرته، فَالمهم هنا ليس الحصر، فإن ذكر البعض يؤدي الغرض.

وبكل أسف ما آلت إليه الأحوال لا يضر بالسكان فحسب، بل يُهدر مساعي الدولة المصرية في التنمية والتطوير والتعمير، وجذب الاستثمار، والارتقاء بمعيشة المواطنين، بحيث أنشأت الدولة مدينة جديدة بمعايير عالمية وحضارية، بها مناطق صناعية وتجارية وتعليمية، وأنشأت جامعة بنها الأهلية، وشيدت أول مستشفى عام بالعبور، والذي من المقرر افتتاحه خلال الأسابيع القليلة القادمة، وكذلك طرق جديدة ومحاور رئيسية، وفتحت الباب على مصراعيه أمام الاستثمار الخاص، باعتباره ميزان الاقتصاد الرئيسي، لزيادة فرص التنمية، وتوفير فرص عمل، كل ذلك وأكثر فعلته الحكومات المصرية المتتالية، وعلى الجهة المقابلة يتم إهدار ذلك كله بالفساد والإهمال والعشوائية، وخلال السنوات الماضية رأينا الدولة المصرية ممثلة في الرئيس السيسي الذي تبنى ملف العشوائيات، وأنجز فيه كثيرًا، لمحو مصطلح العشوائية من مصر "بالله عليك يا بَشمهندس قُل لي" هل نحن نتطلع إلى الأمام، أم نهرول إلى الخلف؟!!!

لست من أنصار تصدير المشكلات في وجه مسئولآ "يادوب بيقول باسم الله نبدأ" لكن سيادتك لست مجرد مسئولآ جديدًا وحسب، فَأنت تمثل للناس هنا ما هو أهم وأشمل من ذلك بكثير، بحيث تمثل لهم الملاذ والأمل الوحيد في عودة الهدوء والأمان لمدينتنا المنكوبة، كما أنني أؤمن تمامًا "ان المكان بناسه" وأن المسئولية مشتركة، بسلوكيات قاطنيها وضوابط مسئوليها، لكن زمام الأمور لا يجب أبدًا أن يُترك لضمائر الناس، بل ضوابط توضع وتكون فرض عين،

ومن الثابت والمؤكد أنه لا يوجد منطقة نظيفة راقية تتحول إلى عشوائية بين عشية وضحاها، لكن الأمر يبدأ بأمور قد تراها بسيطة، ولكنها بداية خيط، حتى نجد أنفسنا في منطقة عشوائية بامتياز، فَنظلم سكانها الذين دفعوا الملايين طامحين في معيشة نظيفة هادئة، ونظلم طموح  الدولة حينما قررت نقل مواطنين من المناطق غير الآمنة، وهى لم تكن بذلك تهدف إلى تسكينهم في بيوت أكثر أمنًا وحداثة فحسب، بل كان الهدف الأسمى هو الاستثمار في البشر قبل الحجر، ولذلك من يأتي إلى مكان حضري؛ فرض عليه الالتزام بسلوكياته وضوابطه، لا أن يفرض هو عليه سلوكيات المناطق الخطرة التي أتى منها، وما لا يُفرض بالتوعية والتثقيف، يُفرض بالقانون.

لا أخفيك سرًا أنني ضاق صدري وأنا أكتب مقالي هذا، فَأنا لا أستسيغ التحدث بالسوء عن مكان أحبه ولي فيه مئات الذكريات، لكنه للأسف الواقع المذري الذي فرض عليّ ذلك، حتى أنني أمتلك الكثير من الصور التي توثق العشوائية التي ذكرت بعضًا منها، لكنني لم أنشرها، حتى لا أسئ لمكاني المفضل، ومن جهة أخرى حتى لا أصدر صورة سلبية عنه، لا سيما وأنك غير مسئول عن هذه الصورة،إذًا فَلندع الماضي ونبدأ من الآن، خاصة وأن إصلاح ذلك لا يتطلب كُلفة باهظة أو إجراءات كبيرة، كل ما يتطلبه الأمر هو شئ من النظام وتطبيق القانون، وبعض الضبط والربط.

أخيرًا يا أبانا الشاب... ما كنت أود أبدًا أن أستقبلك بهذه المشكلات والسلبيات "لكن مجبر أخاك لا بطل" فقد فاض بنا، وسئمنا الرجاء في العودة بالمدينة إلى سابق عهدها المتحضر المشرف، وما أود التأكيد عليه هو أن منصبك الجديد لا ينحصر في حدود الوظيفة العامة فَحسب، بل يتخطى ما هو أكبر من ذلك بكثير، فَأنت الحاكم الأول لهذه الرقعة من الأرض، ومتحكم في حياة قاطنيها واستقرارهم وأمنهم، وهم الآن يُعلقون آمالهم عليك، والأيام سَتَمُرّ سريعًا، مثلما مرت في عهد من سبقوك أمس القريب، أحمد رشاد، ومن قبله عبد الرؤوف الغيطي، لكن شتان يا عزيزي ما بين هذا وذاك، فالمهندس عبد الرؤوف الغيطي "وهو ليس بغريبًا عليك" تركنا قبل سنوات، ولا يزال سكان العبور يترحمون على فترته الذهبية، وما أنجزه فيها من نظافة ونظام وتطوير، أما الآخر فلا داعي للوصف "فَمجموعات مواقع التواصل الاجتماعي كفت ووفت" وكل ما عليك هو أن تختار، أن يخلد اسمك بحروف من نور، أو أن..... لا داعي، فَأنني أستبشر بك خيرًا، وبمشيئة الله مثلما كتبت مقالي هذا؛ سَأكتب مقالا آخر قريبًا، لكن عن الإنجازات التي سَتُتحَقَقْ على يديك، وكيف حررت وطننا الصغير من الاحتلال الغاشم للاهمال والعشوائية، وأعدت إلينا الاستقرار والأمان، بإذن الله.

تامر جبر

547236420_24556895433970928_5962
547236420_24556895433970928_5962