الحياد خيانة

لا خلاف على خطورة ما تواجهه مصر حاليا من تحديات تفرضها أوضاع إقليمية ملتهبة، بسبب طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر من العام 2023.
وتواجه مصر اليوم مرحلة حرجة من تاريخها، حيث تتعرض لضغوطات خارجية غير مسبوقة من الولايات المتحدة والغرب وإسرائيل، تهدف إلى إجبارها على قبول استضافة الفلسطينيين المهجرين قسريًا من قطاع غزة.
هذه الضغوطات ليست مجرد طلب عابر، بل جزء من مخطط أوسع لتهجير الفلسطينيين وتصفية قضيتهم التاريخية، مما يضع مصر أمام اختبار وطني يتعلق بمستقبلها ودورها الإقليمي.
في مثل هذه اللحظات، يصبح الاصطفاف الوطني خلف القيادة السياسية ليس خيارًا بل ضرورة حتمية، لأن الحياد أو التفرقة أو محاولة بث الفرقة والتحزب وشق الصف الوطني وتأليب المواطن ضد الدولة أو أي شيء في هذا السياق يعد خيانة.
الأمر هنا لا يتعلق بقضايا داخلية مثل ارتفاع الأسعار أو سقف الحريات، وإن كانت هذه مسائل مهمة في سياقات أخرى، بل يتعلق بمصير وطن يقف على مفترق طرق.
مصر، بتاريخها العريق وموقعها الاستراتيجي، ليست مجرد دولة عابرة يمكن أن تُستخدم أداة في أجندات خارجية.
إن قبول تهجير الفلسطينيين إلى سيناء لن يؤدي فقط إلى ضياع القضية الفلسطينية، بل سيفتح الباب أمام تهديدات وجودية للأمن القومي المصري، حيث ستتحول الأراضي المصرية إلى هدف لصراعات مستمرة وتدخلات أجنبية.
في هذا الوقت، يتطلب الأمر وحدة وطنية صلبة تدعم القيادة السياسية في مواجهة هذه الضغوطات.
الانتقادات أو التشكيك في القرارات الوطنية في مثل هذه الظروف قد يُستغل من الخارج لإضعاف موقف مصر وتشويه صورتها، وقد راينا وسمعنا تصريحات مسؤولين أمريكيين يتحدثون عن تردي الأوضاع في مصر، والتشكيك في التماسك المجتمعي، والتفاف المصريين جميعا حول قرار القيادة السياسية برفض التهجير، بعدما اتخذت مصر موقفا رائعا في رفض تصفية القضية الفلسطينية.
القيادة السياسية، ممثلة في الرئيس والقوات المسلحة ومؤسسات الدولة، تقود سفينة الوطن وسط عاصفة من المؤامرات، وأي هجوم داخلي عليها يُعد بمثابة طعنة في ظهر الوطن نفسه.
إن الشعب المصري، الذي عُرف بصموده عبر التاريخ، مدعو اليوم لإظهار تلاحمه ودعمه للقيادة في رفض أي مساس بسيادة مصر أو بقضية فلسطين، خصوصا مع تزايد الضغوطات بشكل غير مسبوق لإضعاف وابتزاز وتركيع مصر للقبول باستقبال الأشقاء الفلسطينيين، وتفريغ قطاع غزة من أهله.
التاريخ لن يرحم من يختارون الحياد أو الانقسام في لحظة تتطلب الوقوف صفا واحدا.
ومصر ليست مجرد أرض، بل هوية وكرامة، ومستقبلها يعتمد على وعي أبنائها وقدرتهم على الاصطفاف خلف قيادتهم في وجه التحديات الكبرى.